ت
دعاني استاذنا الصديق مصطفى مدثر للإطلاع على بوست له عن السعادة ، مادته اقتباس من كتاب من كتاب (ضد اﻹكتئاب) للأمريكي المعاصر بيتر كرامر .. و عقب قراءة البوست ، أدركت أنه ربما ، رغب في اطلاعي الكتاب ، و أرادني أن أدلو برأي في الاقتباس الوارد في البوست ، فحركت يدي إلى الكيبورد ، و لا أدري ماذا أريد أن أكتب، أتعليق قصير أم مادة مطولة .. و كان أن كتبت تعليقاً ، أحب أن أشرك الأصدقاء في قراءته ..بدءاً نورد بوست الأستاذ مصطفى كما هو
ثلاثة أمور تستند على السعادة:
استقلاليتنا الفاعلة،
صدقنا، ووعينا بعبثية الوجود!
في كتاب أسطورة سيزيف يبحث كامو في وعي سيزيف بشروط معاناته بعد ان حكمت عليه اﻵلهة بان يدفع بصخرة ضخمة الى اعلى جبل لا يلبث أن يراها تتدحرج الى أسفل ليبدأ مرة أخرى في دفعها الى أعلى مكررا ذلك لما ﻻ نهاية!
في رحلته الى أسفل الجبل يحس سيزيف بسعادة موقوتة واستقلال منتصر على اﻵلهة.
يرى كامو أن السعادة وما هو عبثي في الوجود هما ابنان لنفس هذه اﻷرض اﻷم ﻻ يمكن فصلهما عن بعضيهما. وأن اكتشاف ما هو عبثي لا يفضي للسعادة. بل ان الوعي بالعبثي هو ما يكشفه لنا احساسنا بالسعادة. وأن احساسنا بالفرح رغم أعبائنا يفتح أعيننا لإدراك حالتنا اﻹنسانية. ويستدرك كامو بالقول بأن سيزيف ﻻ يحس بالسعادة في مشواره الى سفح الجبل فقط بل أيضا أثناء جهده الى أعلى! ويخلص كامو الى أن سيزيف، ربما، كان سعيدا في الواقع!
_____
من كتاب (ضد اﻹكتئاب) للأمريكي المعاصر بيتر كرامر و ترجمتي!
..........................................................................................................................و تالياً إليكم ما كتبت من تعليق :
مشكور أستاذنا لتجديد الدعوة .. هذا كرم يشبهكم ، و يعجزنا .. حقيقة دخلت صفحتك ، و لم أتبين أي بوست الذي قصدت ، و عزمت أن أرجع فأسألك ، و لكن يبدو فعلاً أن ( الأصبع ليهو رافع ) - و الحق الأدبي لصديقي عصمت الدسيس الذي اعذر لي يوماً عن مكتوب وعدني به ، بأن (( القلم ليهو رافع ))-
ثم أما بعد ندخل إلى موضوع السعادة دخولاً برفق يليق بجلال سؤالها .. و أؤمن على الصلة الوثيقة بين الأدب و علم النفس .. و أول من لفت نظري تصريحاً لذلك هو أستاذنا المفكر د. الشيخ محمد الشيخ ، في كتابه التحليل الفاعل حين اطلعت عليه في بداية التسعينات ، حيث قال ما يمكن أن يختصر بأن الأدب يوفر مادة عامة للدراسة يعرفها الجميع ، و يمكن أن يتكلموا عنها ، و على هذا الأساس استخدم شخصيات الطيب صللح - الزين ، و مصطفى سعيد ، و غيرها - لتعريف الناس بما لم يكونوا يعلمون ، ( التحليل الفاعلي ، ببناه الثلاث )..
و الحق أن سؤال السعادة سؤال جليل ، و ممتنع ، ليس بالسهل .. فالسعادة هي بغيتنا .. هي عملتنا الحرة ، التي تمثل قوة ، و قيمة أي فعل ، و أي شعور ..
و السعادة ضربان : مشروطة ، و غير مشروطة .. و المشروط منها ، مراوغ موقوت بميقات شرطه .. أما الغير مشروط ، فأبقى و أدوم .. و الإنسان لا يستطيع أن يعيش حياته هانئاً إلا بمزاج موزون بين المشروط و غير المشروط .. و إني لأعتبر ( الغير مشروط ) من الضربين هو أساس السعادة ، و أديمها الذي لا يقوم كل ما عداه إلا عليه .. بل إن أنماط السعادة المشروطة ، و طرقها ما هي عندي إلا مبررات عقلية ، لما هو قائم في عمق التكوين من سعادة لا تحتاج لتبرير ، و لا هي تقوم على سبب ، و لا شرط .. و من فقد ذلك الأساس المتين للسعادة ، أو قل تلك الملكة الأصيلة لاختبارها ، بل امتلاكها ، لم يجده ، شيء ، فتراه يتقلب في كل نعيم ، و لا يحظى من ذلك بذي بال من تنعّم ، و سعد ..
و يبدو أن سيزيف ، قد اكتشف هذا الأمر ، ذات نزلة لتحصيل شرط السعادة التي أوهمته الآلهة بأنه لازم ليحقق مجده ، و سعادته .. تلك هي العقوبة التي هي أشبه بالتكليف .. و المكلف ملزم بتكليفه ، و المعاقب مجبر على عقوبته ، رغم أن الآلهة ، بمكر عظيم ، أوحت إليه بأنه محتاج لأن تبقى الصخرة في الأعلى و تستوي .. فاجتمع عنده الجهد ، و الفقد .. و يا لهما من بابين للتعس ، و مانعين للسعد ..
و لكنه و هو على حاله من سعي بين صعود و هبوط ، على ما هو عليه من الجهد و الفقد أطل عليه إحساس بسعادة ليس لها علاقة بالحجر اللعين ، و لا بالآلهة الحاقدة الماكرة ، بل به في سويداء قلبه ، و تكوينه .. سعادة تخصه .. هنا تخلص من الفقد ، و تبقى له الجهد فقط ، فتحرر من لعنة الآلهة لأنها لم يعد محتاج إليها ، ليسعد ، بل هي المحتاجة ، على الأرجح لأن يصير الحجر إلى أعلى الجبل ..
و لست ممن يقولون بعبثية الوجود ، كما بالطبع تتوقع ، بل بتعالى الحياة في جوهرها عن التقيد بمعنى يخطر بقلب بشر .. فالله يصنع المعانى ، و يحكمها ، و لا تحكمه .. لذا فالحياة في عمقها متعالية عن الشرط .. و هذه هي حقيقتها .. فالوعي الإنساني الذي يعرج إلى سماء العرفان ، و يولج إلى عمق التكوين يدرك بيقين أن الإنسان في أصل تكوينه مطلق عن القيد ، و أن سعادته متعالية عن الشرط .. و من أدرك ذلك هانت عليه تكاليف الحياة ، و أحجارها اللعينة ، و رضي بمكانه من الحياة ، و احتال ليخلق وشيجة بينه و بين العيش ، و التعايش مع التكليف .. و اقتنص السعادة في كل موقف ، و الرضى في كل محنة ..
فالسعادة اللامشروطة هي توأم الرضى اللامشروط unconditional acceptance ، و هما ، يمكثان بأمان في القلب ، بعيداً عن دوامات العقل ( اقرأ عقل المعاش ) ، باشتراطاته ، و تكاليفه .. و في سويداء القلب لا تكليف .. ديني ، و لا دنيوي .. بل حياة عفوية منسابة مع كل لحظة بوعي و اختيار .. أما في الدوائر الخارجة عن القلب ، حيث دوامات العقل ، فتأتي التكاليف .. هنا تجد مواقيت ، و فروض ، لا يعلم الإنسان ما أنزل بها من سلطان ، بل يفعلها طاعة للمجموع ، أو طاعة للآلهة ، كثرت أو قلت أو توحّدت .. لذا فالتدين نفسه هو لازمة العقل ، بينما ( الدين ) هو في حياة القلب ، و صلته بجوهر الوجود ، حيث الحياة التي لا تأوفها آفة ..
.
ترددت صديقي في الكتابة ، و لم أفعل إلا لكبير خاطركم عندنا ، و أرجو أن يكون فيما كتبنا فائدة ، و متعة ..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق