الثلاثاء، 31 يناير 2012

الطائفية و الهوس الديني .. من التجريم إلى التشخيص .(2)

الجريدة ...الأحد 3 اكتوبر 2010
الطائفية و الهوس الديني .. من التجريم إلى التشخيص .(2)

الطائفية في السودان خصوصية المصطلح و المفهوم:

لا يغيب عن بصر اللبيب أن كلمة الطائيفية لها مدلولاتها المتعددة التي سنحاول استعراضها، هنا بشكل وافي، كما أن لها صور مختلفة باختلاف الدول التي يدور عنها الحديث .. ففي لبنان، مثلاً تأخذ معنيي الإختلاف الديني (الملّي) بين المسلمين و المسيحيين، و كذلك الإختلاف المذهبي بين السنه و الشيعة ..الخ..أما في مصر فهي تأخذ المعنى الأول (الملي)، بصورة أساسية ، بينما في العراق ، تأخذ المعنى الثاني (المذهبي)، بصورة أساسية .. أما هنا في السودان فإن المصطلح يستخدم حصرياً للتعبير عن الإختلاف بين الطائفتين الكبيرتين من المسلمين (السنة؟؟) و هما الختمية و الأنصار ، و ثالثتهما (الهندية)، أحياناً.. و لم يؤثر استخدامها للتعبير عن الاختلاف الديني رغم أن السودان وصف دوماً بأنه بلد متعدد الأديان و الثقافات.. الخ..
و (الطائفية) بحسب ( ويكيبديا) و بعض القواميس هي نوع من الإنتماء و الإلتزام الجامد و المشتط تجاه مجموعة دينية تفترق عن مجموعة أكثر شمولية و قديمة النشأة ... هذا الإنتماء المشتط ، الجامد، في تقديري يؤثر سلباً على ثلاث علاقات أساسية هي : العلاقة القائمة بين الفرد و ذاته، أعني مقدرته على التصالح مع ذاته، و على الرؤية الناصعة، المستقلة، و الإختيار السليم كما تؤثر على علاقته مع الآخر المنتمى إلى كيان موازي ثم على انتمائه و عمق إخلاصه للكيان الجامع كالديانة و الوطن، مثلاً .. هذا في حال وقعت المقارنة و وجب الاختيار بين الكيانين .. بذا يتضح أن ضرر (الطائفية)، و خطرها متعدي .. أي أنه يتجاوز الفرد إلى الآخر و الكل أيضاً .. (الطائفية) هي حالة من تضخم اعتبارات القائد، و المجموعة، على حساب اعتبارات الآخر، و الكيان الشامل الذي يجمعك معه، أي (الآخر) .. ف (الطائفية)، و الحالة هذه، لا تستقيم مع التزام الفرد للحياد و العدالة تجاه الآخر ولا الولاء المخلص للكيان الأكبر ، كالوطن مثلاً .. الأهم على الدام هو مصالح الطائفة و رأي زعيم الطائفة و أتباعها ..

ثالوث الإنتماء الطائفي : الزعامة الطائفية .. الكيان الاجتماعي .. الفكر:

و انتماء الفرد للطائفة المعينة هو علاقة ذات ثلاثة أبعاد : الأول مع الكيان الإجتماعي (الطائفي)، و الثاني مع رأس الطائفة سواء أكان شخص (زعيم)، أو مؤسسة .. و البعد الثالث هو الفكر المتبنى من قبل الطائفة.. و لك، هنا أن تلاحظ أن هذه ثلاثة العلاقات تؤثر على بعضها بصورة واضحة ..
فكلما كانت العلاقة مع الزعيم الطائفي قائمة على الحوار و تبادل الرأي و احساس الفرد بالكرامة و الإستقلالية و هو في حضرة رأس الكيان أو و هو في لحظة اختيار حاسم سياسي أو اجتماعي كانت صلة الفرد تجاه الفكر أكثر تحرراً و نقدية و بذا تتحقق علاقة إيجابية مع الفكر المحدد تسمح بالتطوير و التثوير.. و في نفس الوقت تكون علاقته بالمجموعة أقرب إلى التواشج الصحي و كان الفرد أكثر شعوراً بالأمان و هو يواجه محكه الفرداني في التفكير و التعبير مما يجعله لا يخاف غوائل المجموعة و بطشها و إقصاءها في حال خالف رأيه و اجتهاده ما كان عند الجماعة حقاً، و صواباً ... و العكس في كل ما سبق، بالعكس ... فالقائد الطائفي، الحريص على الإتّباع السالب، و الطاعة العمياء يخلق من حوله مجتمعاً باطشاً بالأفراد و أفراداً تابعين خاملين سالبين ..

أما علاقة الفرد بالمجموعة فتوثر بشكل حيوي و خطير على كلا البعدين الآخرين – العلاقة مع رأس الطائفة ومع الفكر .. و يمكننا أن نقرر بكل ثقة أن (الطائفية) في كل تجلياتها إنما هي صنيعة اجتماعية أعني أنها تتأثر بالسلوك الجماعي تجاه القائد أكثر من تأثرها بسلوك القائد تجاه الجماعة .. هذا مع الأخذ في الاعتبار لخطورة دور القائد من حيث الرفض، و الإقرار (التشجيع)، تصريحاً ، و تلميحاً (إيحاءاً ) ، لكافة أنماط اسلوك الطائفي .. و الحق أن للجماعة طرق كثيرة في صنع هالة من القداسة حول القائد باصطناع العقائد، المتصفة بالتقديس و التعظيم و (الأسطرة) و المشجعة للسلوك القائم على الاعتمادية و الانقياد ( الطاعة العمياء) .. كما أن للطائفة طرقها المختلفة، في تدجين الأفراد، و الحفاظ عليهم داخل السياج الطائفي عبر أساليب غسل الدماغ و التقريب، و الترقية في الكيان المحدد ترغيباً و العزل الاجتماعي و الإقصاء و اغتيال الشخصية ترهيباً ..
أما الفكر فكلما كان قائماً على الغموض و الغيبية فيما يخص مقولاته، و الألقاب و المقامات فيما يخص القائد، كان أدعى لترسيخ القداسة و انسياق الأفراد، تبعاً لذلك ، إلى حالة من تهيب التفكير النقدي و من ثم التسليم بما يقوله القائد و ما تعتقده الطائفة و الإنصياع وراء الآراء الجماعية حول أمر ما و القرارات حول الموقف المعين .. و هذا البعد بالذات-بعد العلاقة مع الفكر- هو ما يجعل الفكر الديني التصوف بشكل خاص أكثر قابلية لقيام (الطائفية) فيه من أي فكر آخر ..

التصوف و بذرة (الطائفية) :


لقد كان الأستاذ محمود محمد طه شديد الحرص على التمييز بين الطرق الصوفية و الكيانات (الطائفية) .. و لقد عبر بوضوح عن الخطر الماثل أمام كل مربي صوفي و هو أن يتحول إلى طائفي .. و لقد وصف المسألة، في بساطتها بأنها (( فركة كعب))، دلالة على يسر التحول و قرب مأتاه.. و الفرق الحاسم عنده بين الصوفي و الطائفي هو أن الأول لديه ما يقدمه للمريدين من الترشيد و الإصلاح و هو مع ذلك زاهد في دنيا الناس ..أما الطائفي فهو حريص على الدنيا و مفلس عن الترشيد .. و الحق أن التمييز بين القيادي الصوفي و الطائفي أمر في غاية الصعوبة إذ أن الشخصين كثيراً ما يجتمعا في شخص واحد .. و هنا أود أن أقول أن العلاقة بين الطريقة الصوفية و الطائفة السياسية هي إحدى تمظهرات مشكلة العلاقة بين الدين و السياسة أو كما يحب بعض أصدفائنا تسميته (الديني و السياسي)، .. أو بتعبير آخر (السياسة و القداسة )، و لإن كان سؤال ما إذا كان يمكن فصل الدين عن السياسة من أعقد الأسئلة فإن مهمة الفصل بين الصوفي و الطائفي، تبقى هي أيضاً معقدة جداً و شائكة .. ينسب إلى السيد الصدق المهدي شعار رفعه في الستينات فحواه ألا قداسة مع السياسة .. و هو شعار لا بد أنه قد نال إعجاب الكثيرين من المناهضين للطائفية، في طيف السياسة السودانية الواسع، ذلك الوقت و لكن يظل السؤال حول : كيف ؟؟ هو العقبة التي ترجع الشعار، ربما إلى خانة الطوباوية خصوصاً و أن (القداسة)، كانت حين رفع الشعار عند شخص آخر هو الإمام الهادي رحمه الله..
لقد ظل القضاء على (الطائفية) حلماً للسواد الأعظم من النخبة السودانية سواء أكانوا في داخل الكيانات (الطائفية) و خارجها ، من يمين الطيف إلى يساره، لكن ظلت الظاهرة باقية مع بعض التجميل و التحوير هنا و هناك.. و لعل هذا ما يجعلنا نعيد طرح السؤال بحثاً ، عن رؤية تعين على فعل إيجابي، و تغيير حقيقي، و أكيد.. ربما يعزي البعض الأمر إلى الأمية ، و انتشارها ، في هذا البلد ، و لكن لا بد لي أن أقول بأن الأمية ، وحدها ، لا تصلح تفسيراً كافيها ، للظاهرة ، ولا (لاستدامتها).. و لذا سأحاول أن أسهم ببعض النقاط التي ربما حملت شيئاً جديداً، مفيداً..

إن تناقض القداسة، و السياسة في المجتمعات التي يشكل الدين جزءاً مقدراً من حياتها و خصوصاً تلك التي تسود فيها القيم الصوفية لهو في تقديري المعضلة الأساسية أمام (عصرنة ) التصوف .. و ذلك لأن التصوف يقوم على مفهوم أساسي، هو مفهوم المقامات و التراتبية الروحية و الذي يتبعه أن رأي من هو أعلى منك مقاماً هو مظنة أن يكون أقرب للصواب من رأيك .. ثم أن هذه التراتبيه تأخذ معناها الأوكد و الأخطر حين تتجسد في شكل ألقاب محددة يكون لها أثرها النفسي الداعي لالتزام (الأدب) و الورع و الحائل دون النزعة النقدية و الإستقلالية التي يستلزمها السلوك الديمقراطي أو قل (الليبرالي).. و هنا نصل إلى تناقض (ديالكتيك)، يجب استحضاره بين (الحرية ) و (الأدب) و نحن نصف ظاهرة (الطائفية) .. و هذا ما سأبدأ به الحلقة القادمة من المقال..
نواصل ..

الطائفية و الهوس الديني .. من التجريم إلى التشخيص .(2)

الجريدة ...الأحد 3 اكتوبر 2010
الطائفية و الهوس الديني .. من التجريم إلى التشخيص .(2)

الطائفية في السودان خصوصية المصطلح و المفهوم:

لا يغيب عن بصر اللبيب أن كلمة الطائيفية لها مدلولاتها المتعددة التي سنحاول استعراضها، هنا بشكل وافي، كما أن لها صور مختلفة باختلاف الدول التي يدور عنها الحديث .. ففي لبنان، مثلاً تأخذ معنيي الإختلاف الديني (الملّي) بين المسلمين و المسيحيين، و كذلك الإختلاف المذهبي بين السنه و الشيعة ..الخ..أما في مصر فهي تأخذ المعنى الأول (الملي)، بصورة أساسية ، بينما في العراق ، تأخذ المعنى الثاني (المذهبي)، بصورة أساسية .. أما هنا في السودان فإن المصطلح يستخدم حصرياً للتعبير عن الإختلاف بين الطائفتين الكبيرتين من المسلمين (السنة؟؟) و هما الختمية و الأنصار ، و ثالثتهما (الهندية)، أحياناً.. و لم يؤثر استخدامها للتعبير عن الاختلاف الديني رغم أن السودان وصف دوماً بأنه بلد متعدد الأديان و الثقافات.. الخ..
و (الطائفية) بحسب ( ويكيبديا) و بعض القواميس هي نوع من الإنتماء و الإلتزام الجامد و المشتط تجاه مجموعة دينية تفترق عن مجموعة أكثر شمولية و قديمة النشأة ... هذا الإنتماء المشتط ، الجامد، في تقديري يؤثر سلباً على ثلاث علاقات أساسية هي : العلاقة القائمة بين الفرد و ذاته، أعني مقدرته على التصالح مع ذاته، و على الرؤية الناصعة، المستقلة، و الإختيار السليم كما تؤثر على علاقته مع الآخر المنتمى إلى كيان موازي ثم على انتمائه و عمق إخلاصه للكيان الجامع كالديانة و الوطن، مثلاً .. هذا في حال وقعت المقارنة و وجب الاختيار بين الكيانين .. بذا يتضح أن ضرر (الطائفية)، و خطرها متعدي .. أي أنه يتجاوز الفرد إلى الآخر و الكل أيضاً .. (الطائفية) هي حالة من تضخم اعتبارات القائد، و المجموعة، على حساب اعتبارات الآخر، و الكيان الشامل الذي يجمعك معه، أي (الآخر) .. ف (الطائفية)، و الحالة هذه، لا تستقيم مع التزام الفرد للحياد و العدالة تجاه الآخر ولا الولاء المخلص للكيان الأكبر ، كالوطن مثلاً .. الأهم على الدام هو مصالح الطائفة و رأي زعيم الطائفة و أتباعها ..

ثالوث الإنتماء الطائفي : الزعامة الطائفية .. الكيان الاجتماعي .. الفكر:

و انتماء الفرد للطائفة المعينة هو علاقة ذات ثلاثة أبعاد : الأول مع الكيان الإجتماعي (الطائفي)، و الثاني مع رأس الطائفة سواء أكان شخص (زعيم)، أو مؤسسة .. و البعد الثالث هو الفكر المتبنى من قبل الطائفة.. و لك، هنا أن تلاحظ أن هذه ثلاثة العلاقات تؤثر على بعضها بصورة واضحة ..
فكلما كانت العلاقة مع الزعيم الطائفي قائمة على الحوار و تبادل الرأي و احساس الفرد بالكرامة و الإستقلالية و هو في حضرة رأس الكيان أو و هو في لحظة اختيار حاسم سياسي أو اجتماعي كانت صلة الفرد تجاه الفكر أكثر تحرراً و نقدية و بذا تتحقق علاقة إيجابية مع الفكر المحدد تسمح بالتطوير و التثوير.. و في نفس الوقت تكون علاقته بالمجموعة أقرب إلى التواشج الصحي و كان الفرد أكثر شعوراً بالأمان و هو يواجه محكه الفرداني في التفكير و التعبير مما يجعله لا يخاف غوائل المجموعة و بطشها و إقصاءها في حال خالف رأيه و اجتهاده ما كان عند الجماعة حقاً، و صواباً ... و العكس في كل ما سبق، بالعكس ... فالقائد الطائفي، الحريص على الإتّباع السالب، و الطاعة العمياء يخلق من حوله مجتمعاً باطشاً بالأفراد و أفراداً تابعين خاملين سالبين ..

أما علاقة الفرد بالمجموعة فتوثر بشكل حيوي و خطير على كلا البعدين الآخرين – العلاقة مع رأس الطائفة ومع الفكر .. و يمكننا أن نقرر بكل ثقة أن (الطائفية) في كل تجلياتها إنما هي صنيعة اجتماعية أعني أنها تتأثر بالسلوك الجماعي تجاه القائد أكثر من تأثرها بسلوك القائد تجاه الجماعة .. هذا مع الأخذ في الاعتبار لخطورة دور القائد من حيث الرفض، و الإقرار (التشجيع)، تصريحاً ، و تلميحاً (إيحاءاً ) ، لكافة أنماط اسلوك الطائفي .. و الحق أن للجماعة طرق كثيرة في صنع هالة من القداسة حول القائد باصطناع العقائد، المتصفة بالتقديس و التعظيم و (الأسطرة) و المشجعة للسلوك القائم على الاعتمادية و الانقياد ( الطاعة العمياء) .. كما أن للطائفة طرقها المختلفة، في تدجين الأفراد، و الحفاظ عليهم داخل السياج الطائفي عبر أساليب غسل الدماغ و التقريب، و الترقية في الكيان المحدد ترغيباً و العزل الاجتماعي و الإقصاء و اغتيال الشخصية ترهيباً ..
أما الفكر فكلما كان قائماً على الغموض و الغيبية فيما يخص مقولاته، و الألقاب و المقامات فيما يخص القائد، كان أدعى لترسيخ القداسة و انسياق الأفراد، تبعاً لذلك ، إلى حالة من تهيب التفكير النقدي و من ثم التسليم بما يقوله القائد و ما تعتقده الطائفة و الإنصياع وراء الآراء الجماعية حول أمر ما و القرارات حول الموقف المعين .. و هذا البعد بالذات-بعد العلاقة مع الفكر- هو ما يجعل الفكر الديني التصوف بشكل خاص أكثر قابلية لقيام (الطائفية) فيه من أي فكر آخر ..

التصوف و بذرة (الطائفية) :


لقد كان الأستاذ محمود محمد طه شديد الحرص على التمييز بين الطرق الصوفية و الكيانات (الطائفية) .. و لقد عبر بوضوح عن الخطر الماثل أمام كل مربي صوفي و هو أن يتحول إلى طائفي .. و لقد وصف المسألة، في بساطتها بأنها (( فركة كعب))، دلالة على يسر التحول و قرب مأتاه.. و الفرق الحاسم عنده بين الصوفي و الطائفي هو أن الأول لديه ما يقدمه للمريدين من الترشيد و الإصلاح و هو مع ذلك زاهد في دنيا الناس ..أما الطائفي فهو حريص على الدنيا و مفلس عن الترشيد .. و الحق أن التمييز بين القيادي الصوفي و الطائفي أمر في غاية الصعوبة إذ أن الشخصين كثيراً ما يجتمعا في شخص واحد .. و هنا أود أن أقول أن العلاقة بين الطريقة الصوفية و الطائفة السياسية هي إحدى تمظهرات مشكلة العلاقة بين الدين و السياسة أو كما يحب بعض أصدفائنا تسميته (الديني و السياسي)، .. أو بتعبير آخر (السياسة و القداسة )، و لإن كان سؤال ما إذا كان يمكن فصل الدين عن السياسة من أعقد الأسئلة فإن مهمة الفصل بين الصوفي و الطائفي، تبقى هي أيضاً معقدة جداً و شائكة .. ينسب إلى السيد الصدق المهدي شعار رفعه في الستينات فحواه ألا قداسة مع السياسة .. و هو شعار لا بد أنه قد نال إعجاب الكثيرين من المناهضين للطائفية، في طيف السياسة السودانية الواسع، ذلك الوقت و لكن يظل السؤال حول : كيف ؟؟ هو العقبة التي ترجع الشعار، ربما إلى خانة الطوباوية خصوصاً و أن (القداسة)، كانت حين رفع الشعار عند شخص آخر هو الإمام الهادي رحمه الله..
لقد ظل القضاء على (الطائفية) حلماً للسواد الأعظم من النخبة السودانية سواء أكانوا في داخل الكيانات (الطائفية) و خارجها ، من يمين الطيف إلى يساره، لكن ظلت الظاهرة باقية مع بعض التجميل و التحوير هنا و هناك.. و لعل هذا ما يجعلنا نعيد طرح السؤال بحثاً ، عن رؤية تعين على فعل إيجابي، و تغيير حقيقي، و أكيد.. ربما يعزي البعض الأمر إلى الأمية ، و انتشارها ، في هذا البلد ، و لكن لا بد لي أن أقول بأن الأمية ، وحدها ، لا تصلح تفسيراً كافيها ، للظاهرة ، ولا (لاستدامتها).. و لذا سأحاول أن أسهم ببعض النقاط التي ربما حملت شيئاً جديداً، مفيداً..

إن تناقض القداسة، و السياسة في المجتمعات التي يشكل الدين جزءاً مقدراً من حياتها و خصوصاً تلك التي تسود فيها القيم الصوفية لهو في تقديري المعضلة الأساسية أمام (عصرنة ) التصوف .. و ذلك لأن التصوف يقوم على مفهوم أساسي، هو مفهوم المقامات و التراتبية الروحية و الذي يتبعه أن رأي من هو أعلى منك مقاماً هو مظنة أن يكون أقرب للصواب من رأيك .. ثم أن هذه التراتبيه تأخذ معناها الأوكد و الأخطر حين تتجسد في شكل ألقاب محددة يكون لها أثرها النفسي الداعي لالتزام (الأدب) و الورع و الحائل دون النزعة النقدية و الإستقلالية التي يستلزمها السلوك الديمقراطي أو قل (الليبرالي).. و هنا نصل إلى تناقض (ديالكتيك)، يجب استحضاره بين (الحرية ) و (الأدب) و نحن نصف ظاهرة (الطائفية) .. و هذا ما سأبدأ به الحلقة القادمة من المقال..
نواصل ..

الطائفية، و الهوس الديني .... من التجريم إلى التشخيص (1)

هذا المقال تم نشره في صحيفة الحريدة ، يوم الثلاثاء 29 سبتمبر ,.. أعيد نشره هنا لمزيد من الاطلاع ، و الحوار..

الطائفية، و الهوس الديني .... من التجريم إلى التشخيص (1)..

في هذه السلسلة من المقالات، أود أن أدخل مدخلاً مختلفاً، على موضوعين شديدي الحساسية، و الخطورة، لطالما تم تناولهما، في أدبياتنا السياسية، و هما، الطائفية، و الهوس الديني، و ما يدفعني للكتابة، حولهما هوإدراكي لكونهما يشكلان عقبتين أساسيتين في طريق التطور، و الاستنارة، في هذا البلد، باعتبار تعارضهما مع حركة الفكر الحر ، يضاف إلى هذا شعور بأن تلك المداخل التي تم تبنيها تجاه هذين الموضوعين، كانت أقرب إلى التجريم منها إلي التفهم، و النقد الصبور، لأجل ذا فإن هذا النمط من التناول، زاد الأمر حساية، و أدى إلى حالة من التجريم، من طرف، و الإنكار، و التجريم العكسي، من طرف آخر .. و لأنه ما من متأمل محايد يمكن أن ينكر وجود هاتين العلتين في واقعنا، و لا عاقل يستطيع إنكار الأثر السالب لهما على حياتنا، و تطورنا، و خروجنا من نفقنا المظلم، فأنا أود أن أدخل من باب مختلف، سأتحرى فيه الإبتعاد عن التجريم، ما استطعت ، قاصداً بذلك خلق لغة مشتركة (إنسانية)، يمكن بها التعبير عن المشكلة، تفادياً لعوائق التواصل التي تحيل الحوار إلى ( شجار)، أو قل إلى (حوار طرشان)..و سأقوم في هذا الإتجاه، بوصف الظاهرة على نحو أقرب إلى وصف المرض عند أصدقائنا الأطباء، مع قليل من التحليل للعلل القائمة، وراء هاتين الظاهرتين ..


الطائفية ، ظاهرة.. أم وصمة..


و الحق أننا كثيراً ما نتحدث عن الطائفية، و لكن هذا يتم ، عادة، في سياق من السباب السياسي، أكثر من كونه تناولاً ينبني على نهج وصفي، أو تحليل (نفسي، سياسي) .. و هذا ما أدى، إلى قيام موقفين أحدهما ناعت، لكيانات بعينها، بوصفها كيانات طائفية، و منتقص من قيمتها الفكرية، و السياسية، على هذا الأساس، و الآخر هو أن هذه الكيانات، قد أخذتها العزة، فعميت عن حقيقة ،وجود تلك الظاهرة (الطائفية)، في داخلها، و هذا ما أعاق كثير من إمكانيات تطور هذه الكيانات، نحو آفاق الديمقراطية ،و المؤسسية ..
و الحق أنني بدأت كغيري، من موقف تصنيفي، سكوني، للكيانات المختلفة، فهذا تنظيم طائفي، و ذاك غير طائفي .. و لكن مع التأمل، و استحضار القليل من الحياد، اكتشفت قصور هذا المنظور، و لا جدواه .. فأنت في حقيقة الأمر لا تقدم للآخر، أدنى فائدة، و لا للظاهرة علاجاً، إن ظللت تنعته-الآخر أعني- طول الوقت بالطائفي، هذا طبعاً إن كنت تحرص على تقديم ما يفيد للآخر، و للعلاقة المشتركة بينكما، خصومة كانت أم حواراً ..
الأمر الآخر الذي استجد عندي هو أنه، قد بدأت تتكشف لي ملامح (الطائفية)، في كيانات كانت عندي منزهة عنها، و هي إلى ذلك، كيانات كرست الكثير من وقتها للتنفير من الطائفية، و محاربتها .. هذا ما جعلني أدرك بأن الطائفية هي في حقيقة الأمر ظاهرة، واردة الحدوث في أي كيان ديني، يقوم على نوع من التراتبية الفكرية، أو الروحية، و أن مدى بعد هذا الكيان، أو ذاك عنها، ليس بمقدار ما يبرزه نحوها من عداء لفظي، و تنفير دعوي، بل بمقدار المجهود الداخلي الجاد من قبل كلا القادة، و المقودين، و اليقظة المستمرة في رصد الظاهرة، ومحاربتها، في أطوارها الجنينية .. هذا هو المحك الذي برز لي من معايشة مجتمعي الصغير، ألا و هو مجتمع (الأخوان الجمهوريين)، و لمراقبتي القريبة نسبياً لكيانات أخرى .. و لعله معلوم لدى الجميع مدى النشاط الواسع الذي قام به الجمهرييون في إطار محاربة الطائفية السياسية .. إن ما تأكد لي بدون أدنى شك أن هذا المجتمع ، كما غيره من المجتمعات، ليس محصناً ، من هذه الطتئفية التي يعاديها ، بل إنه مع الزمن بدأت تدب فيه الكثير من ملامحها.. و هنا اسمحوا لي أن أقتبس من مقال كتبته سابقاً في إطار الحوار الداخلي بيني، و بين أفاضل من الأخوان الجمهوريين، هدفت فيه للتنويه لبروز بعض المظاهر الطائفية في داخل مجتمعنا الجمهوري ، و للحوار حول إمكانية إيجاد تعريف يجعل المشكلة أكثر وضحاً ، و تلافيها ، أقرب إمكاناً.. كان ذلك المقال تحت عنوان (العقائدية و توأمها الطائفية .. بعض كلمات للذكرى ....
قلت في إحدى فقرات ذلك المقال :
(الراصد لمسار الفكر الجمهوري، يلاحظ شيئاً لافتاً، هو أن الأستاذ محمود كان يقاوم أمرين، و يحذر منهما ... الأوّل هو أن تصبح الفكرة الجمهورية عقيدة جامدة، و الثاني أن يصير المجتمع الجمهوري مجتمعاً طائفياً .. و الحق أن العقائدية (الدوغمائية)، و الطائفية هما أختان و ربما كانتا وجهين لعملة و احدة .. فكلاهما اعتماد على صورة محدودة- نسبية و مرحلية -من صور التعبير عن الفكر المعيّن، و اكتفاء بها .. ففي الطائفية تأخذ هذه الصورة بعد تجسيد بشري (شخص ما)، و الاستغناء به عن تطوير العلاقة مع المطلق من جهة، و مع التجليات الأخرى للمطلق من ناحية ثانية، و مع الذات الفردية، بطاقاتها الإيجابية، من ناحية ثالثة .. و في العقائدية يتم الاعتماد على مرحلة من مراحل التخلّق لفكرة ما أو ديانة ما، و الاكتفاء بها عن السير قدماً في مسار التطوير، و التخليق لهذه
الفكرة أو الديانة، هذا من ناحية، و عن الحوار، و التفاعل الفكري الخصب، مع الآخر من ناحية أخرى...)..
و في فقرة أخرى :

( أما في حالة الطائفية، فما يحدث هو، التمركز حول رمز ما، و الطواف حول كعبته بالغدوّ، الآصال، بصورة تخرج هذا الرمز من مقامه النسبي، في تراتبية الفكر المحدد، و تحله في مقام الرمز المطلق، حاجبة عن الفرد الطائف رؤية الرموز الأعلى، و المقامات الأسمى .. بذا يتحوّل الرمز الطائفي من صفة الوسيلة إلى صفة الوثن، الذي يحجب الرؤية، و يقطع طريق الرب .. فالطائفية كما قال الأستاذ محمود، مفسدة للقائد (الرمز )، و المقود في نفس الوقت و السياق .. فالقائد الطائفي، يجد نفسه أمام أفراد خاملين، سالبين، يعتمدون عليه كل الاعتماد، في متقلبهم، و مثواهم، و لا يضيفون له، شيئاً، فيتولّد، في داخله، و إن أبدى المحبة، والتقدير، شعور، خفي بالاحتقار، و عدم المكافأة، يجعله لا يعوّل عليهم، في أمر ذي بال، بل يستخدمهم لأغراض الحياة الدنيا، أو ما يرى فيه الرشاد، و يلتهم ما تنازلوا عنه طوعاً من حرياتهم، لينمو و يتضخم، في أذهانهم، و في ذهنه، دون أن ينتظر منهم، أن يعينوه، على نفسه إذا أخطأ، أو يشدوا من أذره إذا أصاب .. هم كظله، لا قيمة لهم في ذهنه إلا منسوبين له، فهو و قد غاب عنه محك مخالطة العقول الحرّة المطالبة بالإقناع، و الحجة، و التفاعل مع النفوس الحية المتمردة، يصير إلى حال من ركود الفكر، و طغيان النفس، فلا يلبث أن يعلنها في ملأ القوم، بلسان الحال، أو المقال، أو كليهما : (أنا ربكم الأعلى )، و (لا أريكم إلا ما أرى).. فيخسر بذا ربه، و نفسه ... آخرته، ودنياه..
أما المقود، و قد وجد من يحمل عنه، عناء النهوض بأعباء الفردية، و يحمل عنه أثقال الاختيار، و الحرية، فتراه، خاملاً، سالباً، يقنع من العزائم، بأن قد أخذ بها الكبار، و من الكمال بأنه، يراه مجسدا، في سيّده و رمزه.. فينمو كنبات الظل لا يقوى على هجير شمس الحرية، و لا يقوم إلا متكئاً، فينقصم ظهره عند أوّل امتحان .. و لأنه لا يقوي على أن يقوم، إلا في الظل الظليل، فإنه يتجنب بكل طريقة، أن يفارق ظله، و يسعى ليبعد عنه، ساعة الفطام، فيظل يقدم القرابين، و يتزلّف بالولاء الذي، ما به من رأي، و الطاعة التي ليس معها من فكر، أو رؤية، ناهيك عن اعتراض .. فيظل يتنازل عن حريته، من أجل أمنه، و كرامته، من أجل سكينته، و هو في كل ذلك يقنع نفسه التي غطى عليها الخوف و الوهم، أن حريته محفوظه، و أن كرامته وديعة مصانه، تردّ عليه متى شاء، بل تصوّرمن جهل أنها في يده رهن الطلب، و الإحتياج ..)..
نواصل ..

ألف وجه للشريعة

من صحيفة الجريدة فبراير 2011

ألف وجه للشريعة...

هناك تمثيلية تلفزيونية (مصرية) قدمها تلفزيون السودان، قبل حوالي عشر سنين، هي، بالنسبة لي مثال جيد لدراما عميقة و حافزة على التفكير.. كان اسمها ( ألف وجه للحقيقة ).. فكرة هذه التمثيلية، المميزة بحق، تقوم على أحداث بطلها شاب توفي والده، و هو بعد صغير، فرباه عمه، الثري .. و لاسباب محددة، اضطر للجوء لطبيب نفسي، و قام ضمن التأريخ المرضي برواية قصة معاناته مع زوجته التي زوجه إياها عمه، بدون أن تكون له بها سابق معرفة.. و لأن الصورة لم تكتمل في ذهن الطبيب، فقد اضطر للاستماع للقصة من الأطراف الاخرى، المرتبطة بالشاب، و القصة، و هم العم، و زوجة العم، و الزوجة.. بطبيعة الحال.. و لقد كانت دهشة الطبيب أنه وجد نفسه أمام أربع روايات مختلفة، للقصة التي يفترض أنها (واحدة).. كان كل شخص يروي القصة بعاطفة مختلفة، مصحوبة بحقائق مختلفة، أيضاً.. بل متناقضة... و لقد كانت براعة التأليف، و الاخراج معاً، تتجلى في أن المشاهد يجد نفسه في حيرة حقيقية، عن ما هي القصة الحقيقية.. هذه التمثيلية، ظلت بالنسبة لي تجسيد ملهم لأن كيف يصنع العقل الإنساني ( حقائقه) التي يسوّل له غروره، بأنها هي (الحقيقة ).. ظلت التمثيلية عالقة بذهني طيلة هذه السنين، و لكن حدثاً ما هو الذي جعلني أعيد تأملها، ألا و هو خطاب رئيس الجمهورية، الشهير، في قضارف الخير، ذاك الذي أعلن فيه عن التطبيق الكامل للشريعة في حال انفصل الجنوب.. الخطاب الذي أثار ردود افعال شتى.. منها المؤيد، و منها الناغم.. و ما جعلني أتذكر تلك الدراما، هو أنه فجأة تداعت لذهني(وجوه) مختلفة لشيء مفترض أنه (واحد )، ألا، و هو الشريعة الإسلامية.. فإذا بظاهرة الألف وجه تبدو متطابقة، تقريباً... فأولاً لدينا الشريعة التي أعلن الرئيس أنه سيشرع في في تطبقيها، في حال الإنفصال، ثانياً، تلك الشريعة الإسلامية التي يزعم حزب المؤتمر الوطني طيلة عقدين من الزمان أنها مطبقة فعلاً، و التي لا يملون، و إن مللنا، ترداد عدم استعدادهم للتنازل عنها، و كونها – أي الشريعة – هي السبب الحقيقي للاستهداف الأمريكي- الغربي للسلطة القائمة.. و تذكرت أيضاً الشريعة التي يدعو لها الإخوة السلفيين، و التي ينعون على الإنقاذيين عدم تطبيقها، ثم تلك الشريعة التي لابد أنها مستقرة في أذهان التكفيريين، و الذين يعتقدون بأن السلفيين-من الفرق الأخرى - مقصرين في اقتفائها... و القائمة تطول فتلك شريعة طالبان، و هاتيك شريعة إيران.. و ذاك هو الدكتور الترابي، بنسخه المتقلبة للشريعة، منذ أن عرفه الناس، و إلى يومنا هذا... تلك النسخ التي تتلون، بحربائية مدهشة، مواطئة لمتطلبات الراهن السياسي.. و ذاك هو السيد الصادق المهدي، ونسخته من الشريعة (ذات القطعيات )، التي يعرف، كيف يخاطب بها ( المثقفين) ذوي الأشواق اللبرالية، الذين تطربهم مقولات حقوق الإنسان، و الديمقراطية، و احترام الآخر، كما يبشر بها في مقام آخر أهلنا الطيبين من الأنصار، أولئك الذين تهزهم عظيم الأشواق لانتصارات (مهدوية )، على الكافرين، من أهل الصليب، و المنكرين لمهدية مهدي الله، من المسلمين.. كل أولئك يراهن على كونه داعي للشريعة، و للحكم بما أنزل الله الذي لا يعارضه إلا الظالمين، الفاسقين، الكافرين.. و من جانب آخر فالكثيرون من المسلمين يعتدون بتطبيق المملكة العربية السعودية للشريعة الإسلامية، و في المقابل فكم من قائل بأن هذه النسخة من الشريعة هي زريعة لتكميم أفواه المعارضين السياسيين، و لتكريس حكم الأسرة الواحدة – آل سعود - وهي الأسرة المعصوم أمراؤها من طائلة الشريعة و حدودها... و لعل الجميع يعلم أن تطبيق للشريعة، في المملكةالسعودية ، يهتدي بالمدرسة الوهابية دليلاً.. ورغم أن الوهابية يصمون آذان الخلق كل حين بنداءاتهم عن فقه الولاء، و البراء، ذاك الذي لا يكتمل الإيمان إلا به.. رغم ذلك، فالسعودية هي أكبر حليف لأمريكا، و الغرب، في الشرق الأوسط المسلم، بل تدل الكثير من التسريبات على أن السعودية تتبوأ موقعاً متقدماً، وسط الدول العربية، فيما يخص التطبيع مع دولة إسرائيل.. و السعودية فضلاً عن ذلك تقدم نموذجاً في الدولة، هو أبعد ما يكون عن سنة النبي ( ص)، و الخلفاء الراشدين المهديين من بعده، هاتين السنتين التين تمثلان حجر الزاوية للفكر الوهابي.. فالإسلام في عهد النبي (ص)، و خلفائه الراشدين قد قدم تجربة مبرأة تماماً من نموذج الملك العضود، الذي يتوارثه آل سعود أباً عن جد.. و الغريب في الأمر هو أن الوهابية لا يعتبرون الملكية بدعة، أو خروجاً عن تعاليم الإسلام، و هم الذين تضيق صدورهم بأمور، أقل من ذلك ضرراً، كمثل تقصير الذقون، و تطويل الإزار، و غيرها من المظاهر، التي لا يضار حال المسلمين بها و لا ينصلح بعدمها من قريب أو بعيد.. فلكأنا، و الحالة هذه، أمام شريعتين عند الوهابية، أولاهما للمسلمين، و الأخرى ملك حصري، مأذون به، فقط،، لآل سعود.. فهذا وجه للشريعة، و ذاك آخر..
و لعل المرء إن ذهب في إحصاء النماذج المقدمة كأفكار تهتدي بالشريعة، يوشك أن يطاول الألف وجه التي وردت في تلك التمثيلية.. فإذا بالأمر أن هناك ( ألف وجه للشريعة ).. تلك الوجوه التي تطل من الجسد المغيب تحت سطح الافكار البشرية، و الدعاوي السياسية التي تزعم لنفسها امتلاك الشريعة و احتكار الحقيقة.. و لعل هذا التعدد الألفي لوجوه تزعم كلها تمثيل الشريعة يجعل البعض يتساءل عن هل هناك ثمة وجود لهذا الجسد المخبأ، أم أنه ليس هناك سوى هذه الوجوه التي يتزاحم أصحابها صراعاً على ثروات البلدان، و الكراسي ذات البريق، شاهرين على بعضهم كل سيف، في محاولة يائسة، و متعنتة لتصفية الوجوه الأخرى، لذاك الجسد المخبأ، لتكون المحصلة وجه واحد لجسد واحد ؟؟؟....

وجوه الشريعة و سباق القداسة..

و لقد يخيل للمرء عندما يستمع للمناظرات، و الجدل بين الجماعات الاسلامية ، حول الشريعة ، أن الأمر ليس سوى صراع حول المنهجية الدينية، بحثاً عن الحق الذي به النجاة يوم القيامة.. و لكن ما لا يغيب عن بصر الناقد الواعي أن صراع الأسلامويين حول (من هو الأصح تطبيقاً للشريعة،و الأحق بها )، هو في الحقيقة صراع سياسي بغيته هي انتزاع نوع من الحصانة السياسية ، أو قل (القداسة) للجماعة الأسلامية ، تلك القداسة التي تبدأ بتقديس الشريعة، و رفعها فوق النقد، و التقييم، باعتبارها محض الحق الموحى به من الله تعالى إلى نبيه، و أنها الكلمة الأخيرة في دين الله التي لا يطالها دثور، و لا يعتريها تجدد ... مروراً بتقديس ذلك الوجه الايديولوجي المحدد، من الشريعة، الذي تقدمه الجماعة، أو الحزب، باعتباره الوجه الوحيد لذاك الجسد، بل إنه هو عين الشريعة ، فلا جسد، و لا وجه... و النهاية المنطقية هي القداسة، و الحصانة لأصحاب هذا الوجه، و دعاته الذين يزعمون لأفكارهم مطابقةً للحق، و احتكاراً له، بحيث يمكن لأحدهم أن يجلس فوق أريكته ، أو يعتلي منبره ، ليحدث الناس في دين الله، أو في شأن الدنيا و هو في حال من الطمأنينة التامة أنه لا يقول إلا ما قال الله و رسوله، و بالتالي فما وراء الحق الذي يصدر عنه إلا الباطل، و النطق عن الهوى.. و هذا ما يمكنك أن تسمعه حرفياً ، من بعض الجماعات السلفية، كما يعبر عنه الآخرين بلسان الحال، سلوكاً نافياً ، و مقصياً للآخر .. و بعيداً عن الغبار الذي يتعمد دعاة الشريعة الإسلامية إثارته، إخفاءاً لملامح الصراع (البشري)، السياسي، فإن واقع الأمر أن سباق القداسة ليس سوى ضرب من ضروب التسابق على الحاكمية المطلقة، و التي تتولد منها كافة أنماط الحكم الشمولي، و السلوك الفاشي.. سباق القداسة هو أسوأ أنماط استغلال الدين لانتاج (شمولية)، لا تمتلك ما يفضلها عن سائر الشموليات الأخرى، بل إنها لتفوق كل الشموليات سوءاً ، ذلك لما فيها التحاف لقداسة الدين لتحقيق مطامع الدنيا من السلطة ، و المال ، فضلاً عن الجمع بين شكلين من أشكال الارهاب  الإرهاب السلطوي، و الإرهاب الديني ..