الأحد، 5 فبراير 2012

أطباء في وطن غير جاذب (1)..

صحيفة الجريدة


أطباء في وطن غير جاذب (1)..





كان أول مقال كتبته هنا ( في الجريدة) ،بعنوان ( جاذبية الوحدة ، وجاذبيةالوطن ) ، و قلت عن شعار الوحدة الجاذبة : (و ما لا يسيغ لي في تعبير الوحدة الجاذبة ، هو أنه تعبير(انفصالي)، من الأساس .. ذلك بأنه يكرس لنوع من الانفصال الوجداني، و الفكري، لدى المواطن المنتمي لجغرافية ، بعينها ، هي الجنوب ، عن سائر المواطنين المنتمين للوطن الواحد ، المسمى السودان.. فلكأنه يقوم على فرضية ، مؤداها أن الشروط اللازمة ليشعر مواطن جنوبي ، بالانتماء، لهذا البلد، بحيث، يمكنه على سبيل المثال، أن يردد نشيده الوطني من أعماق أعماقه ، هي شروط مختلفة، عن تلك الخاصة، بذلك المواطن المنتمي لغرب دارفور، مثلاً . أو أن ما يلزم لولاية كجنوب كردفان أن تحقق علاقتها المتوازنة مع ( المركز)، تلك التي تجمع بين استقلالها، و اتحادها معه في آن، يختلف عن ذلك المطلوب، لولاية بحر الغزال، على سبيل المثال.) ، وختمته مسائلاً : (السؤال الذي يجب أن يساله كل منا لنفسه، الآن .. حكاماً، و محكومين ..هو : هل هذا الوطن جاذب.. ؟؟



و هنا اود أن اقدم إجابة عن فئة لدي بها من المعرفة ما يكفي ، لأعبر عنها ..ألا وهي فئة الأطباء ... هذه الفئة التي شهدت الشهور الفائتة هجرة المئات منها ، و منهم من ينتظر .. بل جلهم ينتظر ، بما فقدوا من الأمل في إمكانية إصلاح الواقع المحيط بهم .. فقد صار الأطباء مرزوئين بقطاع عام تديره وزارة عاجزة ، و منقسمة على ذاتها ، تسيطر عليها الضغائن ، و المؤامرات ، فأصبح المخدمين ، تحت رحمة أمزجة البعض من الإداريين ، و رغباتهم ، فغابت ملامح ، مفاهيم الحق ، و سادت روح الهبات ، و العطايا ، و في كل الأحوال ، يتم صرف الحقوق ، بطريقة غاية في الإذلال ، و المهانة.. و في المقابل ، فالحال في القطاع الخاص أدهى ، و أمر ، و هو واقع من الإستغلال للطبيب كبقرة لإدرار الربح ، بكل سبيل ، و هو ما يتم في الكثير من الأحيان على حساب أخلاق المهنة .. لهذا ، و لغيره فالأطباء اليوم ، يعيشون إما في حالة هجرة ، أو تحديث النفس بالهجرة .. و لقد أعجبتني عبارة بليغة قالها الاخ العزيز د.أسامة أرو ، و كنا حينها نتحدث لندوة دعينا لها من قبل جمعية حماية المسهلك .. تلك الندوة التي كانت تتحدث عن حقوق الطبيب.. قال أسامة مدخلاً ، بعد حديث افتتاحي للندوة ، من قبل الدكتورة الفاضلة درية الريس ، وشخصي، أنه إذا كان شهر يناير سيشهد حدثاً هاماً هو انفصال الجنوب ، فأن شهر يونيو 2010 ، قد شهد بالفعل ، إنفصال فئة الأطباء من هذا الوطن الواحد.. و لقد صدق ..


أنا من خلال احتكاكي بقبيلة الاطباء، و المجهودات الكبيرة التي شاركتهم إياها من أجل التعبير، عن قضايانا ، و مشاكلنا ، و التوصيف لها عبر طاولات الحوار ،مع ( المسئولين ؟) ، ثم النضال من أجل الضغط على الحكومة لتعطي هذه القضايا العناية، و الإهتمام، و الاعتراف بحدتها ، و إلحاحها ، أرى أن هناك نقلة وجدانية عظيمة (سالبة طبعاً ) حصلت ما بين يوم يناير 2010 ، و يونيو من نفس العام ، أي بين تأريخ تسليم مذكرتنا لرئيس الجمهورية - تلك التي كان الكل يؤمل في أن يتم بفضلها ، و استجابة لها مساراً مبشراً من التغيير ، و الإصلاح في كل أحوال الأطباء ، إبتداءاً من التدريب ، مروراً ببيئة العمل ، و العلاج المجاني ، و انتهاءاً بتحسين الرواتب ، و الحقوق المالية ، أي باختصار ما عنونا به تلك المذكرة ، ألا و هو تحسين شروط خدمة الأطباء -و رفع إضراب يونيو الأخير ، حيث ظهر أن السلطة تهمها صولانها كدولة لا تقهر أكثر من أن يهمها تلمس واقع مواطنيها ، و الإستجابة لمطالبهم..


و لكن الأطباء، رغم المجهودات الضخمة التي بذلوها، لم يجدوا من السلطة غير التنكيل ، و التجاهل ، و التطفيف.. و لعل الجميع كانو متابعين لتلك الأحداث التي رافقت إضراب الأطباء الأخير، و ما صاحبها من التعدي ، على الأطباء و الطبيبات بالسياط ،والهراوات من قبل الشرطة ، بتلك الصورة الدامية ، و المهينة ، التي لم تجد من يبررها ، بل سعى المتحدث بإسم وزارة الصحة - في مناظرة في قناةالجزيرة كان طرفها الآخر هو الدكتور نصيف ممثل نقابة الأطباء السودانيين ببريطانيا – لينكر أن هؤلاءالمعتدى عليهم أطباء ، مستعيناً على ذلك بأنه ما من علامة ( يقصد في زيهم ) ، تدل على ذلك . و لعمري إن هذال يدل على الغرض ، و قلة الذكاء الفطري ، كما يدل على انعدام المصداقية.. فإن القاصي، والداني يعلم أن الصور التي تم عرضها تخص الاطباء ، و هم خارجين من مجلس التخصصات الطبية ، بعد أن تعهد الضابط المسئوول بعدم التعرض لهم بسوء.. ثم أن قلة الذكاء تتمثل في أن الحجة التي ساقها الدكتور حسن عبد العزيز تفيد بأن هذا العمل مقبول، لو أنه تم في حق فئة أخرى غير الأطباء .. و هذا ما لا يسيغ إلا لشخص انعدمت عنده ملكات الإحساس بالآخر ، و غطى الغرض على عينيه ، و امتشق سيق الدفاع عن السلطان ، حقاً كان الدفاع أم باطلاً ، ولو كان الدفاع ضد أبنائه ، و بناته من زملاء المهنة.. كان ذلك التجمع الذي اعترضته الشرطة لعدد كبيرمن الاطباء، من كل الفئات ، و هم يجتمعون في مجلس التخصصات الطبية للتفاكر حول الخطة المطلوبة لمناصرة الزملين المعتقلن ، من لجنة إضراب أطباء السودان، و الذين هما د. الهادي بخيت ،و شخصي..

كان الأطباء في غاية السخط لأن الإعتقال تم مستبقاً لجمعية عمومية دعت لها لجنة إضراب أطباء السودان ، كانت ستبحث في ردود الفعل الممكنة للتعبير عن رفضنا و اعتراضنا على نكوص وزارة الصحة ، و اتحاد العمال عن تنفيذ التزاماتهما تجاه الأطباء القاضية بزيادة رواتب الأطباء من كل الفئات بنسبة 75 بالمائة .. تلك النسبة التي لم يتحقق منها النصف لبعض الفئات كنواب الحتصاصيين ، وكان نصيب الاطباء العموميين ، و الاختصاصيين صفراً كبيراً.. هذا رغم أن النسبة المذكورة منصوص عليها صراحة في اتفاق رفع الإضراب الأول في مارس 2010 ..


و الحق ان جهاز الأمن قد ارتكب بقرار عتقال قيادة لجنة الأطباء ، خطأً فادحاً، سيّما ، وأن الاعتقال كان عقب ساعة من قرار رئيس الجمهورية الذي نص على زيادات في رواتب الأطباء، تلك الزيادة التي و إن كانت دون مستوى طموح اللجنة ، و الأطباء ، إلا أنه بصدورها من رئيس الجمهورية تضع اللجنة ، و القاعدة معاً في وضع جديد ، كان الأجدى هو إعطاءهم فرصة لتأمله ، و التقرير حوله ، إذ أن صدور القرار من رئيس الجمهورية ، وعبر الاجهزة الإعلامية ، كان في تقدريري سيباعد بينهم ، وبين اتخاذ قرار الإضراب مرة أخرى ، لأن الإضراب في هذه الحالة سيفهم باعتباره تحدياً مباشراً للرئيس ، مما سيقلل من احتمالية حدوث استجابة قريبة للإضراب –بعد صدور القرار- باعتبار أن الإستجابة ستبدو قي ذهن أولي السلطة نوعاً من التراجع من سيادته عن قراره حديث العهد، بصورة توحي ب( لي الدراع ).. هذا هو الوضع الجديد الذي أتصور أنه كان سيجد الاعتبار عند أي نقابي حصيف ، يبتغي تحقيق الحقوق ، لا مناكفة السلطة ، من أجل المناكفة.. و لكن صدقوا أو لا تصدقوا فإني – و أنا رئيس لجنة الأطباء - قد سمعت عن القرار ، و أنا في قبضة جهاز الأمن ، أتقلب بين الصفعة ، و اللكمة ... لذا فواقع الأمر هو أن جهاز الأمن باعتقاله لقيادة اللجنة، بتلك الصورة غير المبررة، أعطى للأطباء دافعاً جديداً للإضراب، بل دفعهم إليه ، دفعاً ، على نحو زاد من مدته ، و حدته.. نحو هذا كما أن الشرطة قد زادت طين السخط بلة ، فكان ما كان من إضراب هز أركان البلاد ، و قضية أثارت الرأي العام المحلي، و العالمي.... و لكن الواضح هو أن هناك شخص، (أو جهة) ما قدم ( أو قدمت ) ، نظرية جديدة للسلطة، للتعامل مع الأطباء، و هي معالجة الأزمة ، بأزمة ...

نواصل

عندما مرت الشروق من هناك...

من صحبفة الجريدة الأحد 3 يناير


عندما مرت الشروق من هناك...

د. أحمد الأبوابي

برنامج (الشروق مرت من هنا) ، هو أحد البرامج الترفيهية خفيفة الظل، التي تقدمها قناة الشروق الفضائية ، و هو فيما يبدو يسعى لخلق نوع من التواصل مع الجمهور - أي جمهور القناة – و أيضاً إحداث دعاية لها ، في شكل إعلان مدفوع الثمن ، هذا الثمن الذي ياخذ شكل كلفة الجوائز ( القيمة) التي تمنحها المسابقة للفائزين ، إضافة للتكاليف الأخرى للبرنامج ، بلا شك.. و هذه الدعاية قد وظف لها ، أو قل فيها ، بعناية الفنان الكوميدي محمد موسى ، و الذي يحوز شهرة ، وقبولاً كبيراً وسط جماهير المليون ميل مربع.. و لقد جاب هذا الرنامج العاصمة ، بمختلف أحيائها ، وأريافها ، و ذهب إلى الأقاليم ، كقرى الجزيرة، ومدينة مدني ، وغيرها .. و هذا سعي محمود ، و ذكاء إعلامي مقدر ، فتواجد تلك العربة المميزة التي تحمل لافتة مكتوب عليها اسم البرنامج ، والذي يحتوي اسم القناة ، كما البرنامج بجوائزه ، يجعل وجود القناة في مخيلة المواطنين ، و وجدانهم واقعاً أكيداً، فضلاً عن الحضور الحيوي ، و الخفيف للأخ محمد موسى ...

ما جعلني أتذكر ثم أذكر البرنامج ، مستعيراً اسمه لصياغة عنوان هذا المقال ، هو أن برنامج الشروق مرت من هنا قد قام طيلة الشهرين الفائتين بتقديم حلقات من جنوب السودان ، حيث جاب مختلف مدنه ، ثم ألحق هذه الحلقات بأخرى مع المواطنين الجنوبيين في العامة القومية ... و لقد كانت الحلقات تحمل مضمون الوحدة ، و التعايش السلمي في السودان ، مبشرة بالوحدة، و مؤكدة على وجودها الأكيد ، و العتيد في هذا الوطن.. و هذا لعمري جهد مقدر ، و محاولة للإسهام ف التفاعل الإيجاب مع الحدث الجاري ، ألا و هو الإستفتاء ، و لكن هذا الجهد يلازمه عيب ليس في الحقيقة حصر على قناة الشروق ، و لا برنامجها آنف الذكر ، بل هو عيب يخص الإعلام السوداني عموماً ، و طابعه الموسمي ، و الذي لا يتذكر موضوعاً معيناً إلا في ظل مناسبة محددة ، أو موسماً يرتبط بشكل ما بهذا الموضوع ، رغماً عن أن الموضوع قد يكون حيوياً، بل دائم الحيوية، و مستلزماً للتناول طوال العام .. و ظاهرة الموسمية عندي هي دالة على عدم وجود دافعية مبدئية لدى قادة العمل الإعلامي في السودان ، و بالذات التلفزيون ، والإذاعة ، تجاه القضايا الهامة في البلد، ما لم ترتبط بمحرك آني ، أو (بروباقاندا)، سلطوية.. و الإعلام هنا ليس سوى مرآة صادقة لغياب هذه الدافعية ، و الرؤية المبدئية لدى الجهاز الحكومي .. فالإعلام السوداني هو مثال ناصع للظاهرة التي تناولها العديد من المنظرين السودانيين ، الذين من ضمنهم الراحل المقيم د. جون قرنق ، ألا و هي ظاهرة التهميش .. فالتلفزيون السوداني يظل في حالة قطيعة ، مع إحدى المدن السودانية لسنين ، و ما أن تهب فيها مشكلة ، أو صراع ضد السلطة، أو يمن عليها الدهر بزيارة لرئيس الجمهورية ،أو نائبه حتى (يلوك ) إعلامنا سيرة هذه المدينة مادحاً لجمالها ، و متغزلاً في ثروتها، و طيبة و سماحة أهلها، حتى تظن أنه -أي الإعلام- سيورثها موقع العاصمة القومية .. و طبعاً فإن مجهود كهذا سيكون كالكلمة الشاذة في سياق الإهمال المزمن ، والتهميش الراسخ ، و لن يودي لاكثر من إثارة التساؤل ، من المتابع الذكي ، أن : أين كانت هذه المدينة ، بجماها ، و مالها ،و دينها .. بل أين كان الإعلام تربت يداه .. و هذا ما يجعل هذا المجهود أقرب إلى الاستثناء الذي يؤكد القاعدة منه إلى الفضل الذ يجب ما قبله من التقصير.. و لعل المواطن السوداني ربما يردد مقولة الفنان عادل إمام اللطيفة ،والخارجة عن التابع المنطقي للسيناريو ، في مسرحية (شاهد ما شافش حاجه)..، و يقول للإعلاميين الموقرين : ((إنتوما بتقوش ليه مش تبئو تيقو)... و التي ترجمتها إنتو كنتو وين ياجماعة .. ؟؟؟ ..

عيب آخر ،أو قل ظاهرة أخرى ذكرني إياها مرور برنامج الأخ العزيزمحمد موسى من هناك - الجنوب أعني- ، هو ظاهرة (علوق الشدة ) ، تلك المرتبطة في المخيلة السودانية بالغفلة أو الكسل ، والإهمال لشيء أنت تعلم أنك محتاج إليه ، إن لم يكن اليوم ، فغداً ، و مثاله هو الدابة ، فالدابة هي نموذج لكائن تربطك به علاقة عملية ، و وجدانية ايضاً ، تجعل العناية به ، والرفق، أمور بديهية ، و هي تصل عند بعض اصحاب الدواب إلى مقام المتعة و الهواية .. فالدابة إن حفظتها حفظتك.. و إن وفيت لها كفتك الكثيرمن الدواهي، و حملتك إلى بلد لم تكن بالغه إلا بشق الأنفس.. و مثل علوق الشدة يدل على تلك الحالة من إهمال الزاملة حيناً من الدهر ثم اللجوء إليها في ساعة من الزمان ، و العمد لإطعامها طعام عامها في يوم واحد يتيم... بل في ساعة من نهار، أو ليل ، كيفما اتفق.. و لعل مثلاً آخر مشابه هو (( سمينة السخيلة في ليلة)... و هو مثل يضرب لمن هبط عليه ضيف على حين فجأة و لم يكن له سوى شاةٍ عجفاء ، فأحب أن يكرمهم ، و لكنه استقل لحمها، و استهانه ، فشاء أن يضفي عليها قدراً من اللحم ، (فدفسها) ، (دفسة واحد)، ثم هم بمديته ، (الله أكبر)... و مثال آخر هو ما دأب الناس للإشارة إليه بال(صلاة يوم القيامة) ... و كل هذه الأمثال تضرب لمواقف متشابهاة من أبرزها حال التلميذ المهمل الكسول، الغافل عن واجباته ، و الذ يجهد نفسه ليلة الإمتحان بالمذاكرة .. دلت لتجربة على أن علوق الشدة ، كما تسمين السخيلة ، في ليله ، و الصلاة يوم القيامة .كل أولئك لا ينفع..

و الحق أني لست من المتشائمين بخصوص مستقبل السودان ، بل من الموقنين بحتمية الوحدة ، و لكنها عندي وحدة تقوم على الرؤية الواضحة ، و السعي الأكيد لتحقيق العدالة الإجتماعية ، والديمقراطية ، و التوزيع العادل للثروة و السلطة .. هذه الوحدة لا يمكن أن تنسجم مع السلوك الموسمي ، أو الوسائلي (النفعي ) ، لمؤسسات الدولة ، والتي منها الإعلام .. الإعلام الذي سيسهم في الوحدة مستقبلاً ، هو ذاك الحاضر في وجدان المواطنين ، و في دورهم، و ناديهم ، حضوراً دائماً و أصيلاً ..لا الذي يمر عليهم كما مرور إعلامنا الحاضر ، مرة في كل عقد من الزمان ...

ملحوظة : كنت قد بدأت في العدد السابق سلسلة من المقالات بعنوان (أطباء في وطن غير جاذب) ..و هي سلسلة واعدة ، سأسعي فيها لتناول الكثير من القضايا الحية التي تخص الطب في هذا البلد، والأطباء، و لكني آثرت اليوم أن اوغل اكثر في (العام) ، لأواطيء الهنا و الآن ، بحدثهما الراهن .. و لي رجعة إلى زملائي ، الأطباء آملاً أن يحل علهم العام الجديد، و هم في وطن جاذب..

السبت، 4 فبراير 2012

الإسلاميون… شمولية السلطة ، و المعارضة.. حز ب الله نموذجاً .. 2-2

الإسلاميون… شمولية السلطة ، و المعارضة.. حز ب الله نموذجاً .. 2-2

د. أحمد لأبوابي

الإسلاميون، و صناعة التابوهات :

لقد ذكرنا في الجزء الأول، من هذا المقال كيف ان الجماعات الإسلاموية تعاني من حالة من الشمولية تسم سلوكها السياسي ، عند وصولها السلطة ، ولكنها تتبدى بوضوح كافي للناظر الحصيف، حتى وهم يتبوأون مقاعد المعارضة.. و الأمثةعلى هذا القول وافية، و ميسورة ، و لكن الظاهرة التي يمثلها حزب الله ، اللبناني هي في تقديري أكبر تجسيد لشمولية الجماعات الإسلامية في خانة المعارضة .. هذا الحزب الذي كما قلنا ((استغل ((قميص المقاومة))، أسوأ استغلال ليحقق ديكتاتورية كالحة في وجه الشعب اللبناني، فأصبح دولة ،لا تبالي بالدولة، )) ، يمثل نوذجاً لأن كيف يمكن لحزب معارض أن يعبث بهيبة الحكم،و سيادة الدولة، بصورة تمنعه ، إن كان يمتلك الصدق والاتساق أن ينضوي دخل النظام المدني الذي تقود هذه الدولة دفته ناهيك عن التواجد كحزب يحترم القانون، ويلتزم بالدستور ،ويرعىحرمةالآخر .. و لكن رغم فداحة العبث الذي يمارسه حزب الله بالمجتمع اللبناني ، وسيادة الدولة إلا أنك لن تلحظ أي نوع من الحرج يعاني منه قادته ، وأفراده تجاه كل هذا بل تجد ، على العكس اقصى درجات العزة بالإثم ، و الذراية بالآخر ، و الاتهام له في الولاء للبلاد، و لدين الله، و لشعب فلسطين .. و في الحقيقة فإن أمر الزراية بالآخر ، و عدم احترامه هو سمة مميزة للجماعات الإسلامية ، و الذين يشيدون في أذهانهم نظاماً فكرياً يسعى لتكريس قداسة الذات ، ودونية الآخر.. ففضلاً عن إدعاءات التميز العقيدي ، القاضي بصلاح فكر، و عقيدة هذه الجماعات ، و فساد عقيدة الآخر ، و ضلاله ، يجتهد الإسلاميون على ابتكار (( تابوهات)) ذات صلة بالمقدس الديني يسعون، بها لتكريس وهم ارتباطهم هم من دون العالمين بها ( أي التابوهات) ، بحيث يتم تصوير أمر انتقادهم ، ومعارضتهم من قبل الآخرين كنقد و مساس لا يغتفر بهذه التابوهات..

حزب الله، و تابو المقاومة ..


التابو هو اعتبار موضوع ما - حيوان مثلاً ، أو فعل ، أو قول – محرماً، من التناول بحكم ثقافة معينة .. و الحق أن الجماعات الإسلاموية تعاني في الأساس من قطيعة مع الفكر بشكل عام .. ذلك بأن معظمها تنطلق من خلفية سلفية تقوم على أولوية النقل على العقل ..بل انها تكرس إتجاها للتزهيد في الرأي . هذا ما جعل طابع الفكر الإساموي ، بشكل عام ، شديد الحساسية ، و العداء مع شعارات (حرية لفكر) ، و حقوق الإنسان .. ولكن إذا كانت هذه هي الخلفية الفكرية ( لعقلية التابوهات) ، فإن الإنتهازية السياسية ، و ذهنية (الغاية تبرر الوسيلة ) هي ما يكمن وراء ما أسميه ((صناعة التابوهات)).. و لعل حزب الله قد برع في صناعة التابو الخاص به ، ألا و هو ( المقاومة) . . والبراعة تكمن ليس فقط في أنه جعل من المقاومة فعلاً نضالياً مطلقاً ، لا يأتيه الباطل من بين يديه ، ولا من خلفه ، بل أيضاً ، في الربط الكامل بين الحزب ، و المقاومة بحيث صارت هي هو ، وهو إياها .. و هذا ما لم يجعل المقاومة فقط (تابو ) ، بل صا ر الحزب أيضاً.. فأنت حين تسمع التصريحات الداوية للسيد حسن نصر الله من شاكلة : (( اليد التي تمتد إلي المقاومة ستقطع )) ، تصيبك حالة من الذهول عن ان من يتكلم رئيس حزب ، و أنه ليس لهذا الحزب ، كما غيره من حصانة ، في ظل القانون ، و أن سلوكه السياسي، والإجتماعي جميعه ، هو مادة للمساءلة القانونية ، التي يمكن أن تثبت براءة المعنيين بالإتهام أو إذنابهم .. و لكن البراعة في صناعة (( تابو المقاومة ، و الحزب معاً )) ، هي التي تجعلك ، وإياي نحس بالحرج حال قيامنا بانتقاد لحزب الله ، كما تجعلنا نتعاطف معه حال أن تمت اي صورة من صور التعرض له من قبل الدولة اللبنانية ، أو القوى السياسية المناوئة..
و لعل امرالتابو الخاص بحزب الله يتجلى في تهيب الإعلام العربي تقديم قراءة نقدية صادقة لتلك الحرب الماحقة التي أقحم حزب الله فيها كل الشعب البناني، حسياً ، و وجدانياً ، و دفع ثمنها المدنيون ، و الأطفال الذين قضى منهم بحسب أكثر الإحصاءات تفاؤلاً ما يزيد عن الألف نفس من المدنين في حين ان المدنيين الاسرائيليين لم يقتل منهم سوى 43 إسرايلي.. هذا و تظل إحصائيات القتلي العسكرين من الطرفين عرضةللكثير من التطفيف... هذا فضلاًعن الدمار الواسع الذي لحق بالبنية التحتية اللبنانية.. و رغم أن حزب الله هو في الاعتبار القانوني حزب كغيره من الأحزاب يجب أن يترك أمر اتخاذ قرارات الحرب والسلام لوزارة الدفاع ، و رأس الدولة ، إلا أنه يقوم بفعلته التي وصفها هو نفسه (بالمغامرة) ، ليدخل البلاد في تلك الطامة الكبرى .. تلك الحرب التي اتفق الجميع على انه لم يكن فيها من منتصر حقيقي ، رغم دعاوي النصر الواهم الذي يرددها أنصار حزب الله ، و التي يستحي الكثيرون ، و يخاف أكثر منهم من التشكيك فيها فضلاً عن نفيها .. تلك لحرب التي جاء عنها حسب البي بي سي : (( حرب يوليو/ تموز 2006، والتي يمكن وصفها بالزلزال اللبناني لهذا العام، انتهت دون ان يحقق اي من الطرفين اهدافه المعلنة. فاسرائيل التي قالت في الايام الاولى للحرب انها ستقضي على حزب الله لم تتمكن من ذلك اذ قاتلها الحزب بالوتيرة نفسها منذ الدقيقة الاولى حتى الدقيقة الاخيرة.

اما حزب الله، وبالاضافة الى فشله حتى الآن بتحقيق هدف عملية "الوعد الصادق" حيث خطف جنديين اسرائيليين لمبادلتهما بثلاثة اسرى لبنانيين في السجون الاسرائيلية، فقد قبل بالقرار الدولي رقم 1701 الذي وضع حدا للعمليات العسكرية من جهة، الا انه من جهة ثانية وضع الحزب تحت "الاقامة الجبرية" باستقدام 15 الف جندي اجنبي الى جنوب لبنان يسهرون على ان يكون قسم كبير من الجنوب منطقة خالية من كل سلاح ظاهر ما عدا القوات الدولية والجيش اللبناني، ما يحد حكما حركة عناصر واسلحة الحزب على طول الحدود مع اسرائيل وبالتالي، يكون الحزب قد فقد قدرته على المناورة في هذه المنطقة. )) ..
و لإن كان حزب الله قد أدخل كل لبنان في تلك المهلكة ، و ألجم الأصوات مستعيناً ب (تابو) المقاومة ، فهذا فعل مشابه لكل ما يفعله الإسلاميون في العالم .. فذاك ((تابو الجهاد)) ، و هذا (( تابو هيبة الثوليت الدينية ) ، و هنا في السودان شهدنا ذلك التابو الذي تحت سلطته تم اختطاف البلاد ، و الإسلام ، لعقدين من الزمان ذلك هو (تابو الشريعة الاسلامية ))، (( والإسلام )) ، الذي يصورالحكام في السودان أي أعتداء عليهم، أو استهداف لهم بأنه اعتداء عليها (أي الشربعة، و الاسلام) ، على النحو الذي جعل الكثيرين منذ عقود يتهيبون المساس بهذا الكيان ، و يتفادون الاحتكاك ، و الصراع معه خوفاًمن أن يبوءون بلعنة ، أو وصم بالكفر، أو ما شاكله من النعوت كالإلحاد ، و الشيوعية، وغيرها .. و إذا كان الشعب اللبناني قد دفع ثمناً فادحاً من وراء تابو المقاومة ، فإن تابو الشريعة الإسلامية يوشك أن يجعل السودان يدفع الثمن الأكثر فداحة ، ألا وهو عين وجوده كوطن واحد ذي سيادة *..




* كتب هذا المقال ، قبل ظهور نتيجة الإسافتاء على مصير جنوب السودان ...

الإسلاميون… شمولية السلطة ، و المعارضة.. حز ب الله نموذجاً .. 1-2

من صحيفة الجريدة




الإسلاميون… شمولية السلطة ، و المعارضة.. حز ب الله نموذجاً .. 1-2


د.أحمد الأبوابي






إنك لا تجني من الشوك العنب .. حكمة قديمة ، تؤكد معنى مستقراً في التجربة الإنسانية ، منذ بدء تأريخ الإنسان ، ألا و هو أن الأصل الفاسد ، لا ينتج فرعاً صالحاً.. هذه الحكمة تتناغم أيضاً مع العلاقة المنطقية بن المقدمة، و النتيجة .. هذا ما خطر لي أن أن أبدأ به مقالي هذا، الذي أريد فيه أن أناقش موضوع الجنين الشمولي، في أحشاء الكيانات الأسلامية ، الذين يسفر عن نفسه في المعارضة، بأوضح مما يمكن أن يسفر في حالة أن لو تسنم القوم السلطة.. و لقد ذكرني هذا الأمر بقصة تروى عن أحد الشيوخ كان له حمارين ، وكان له مزرعة غنية بالطيب من الخضر، فخرج ذات يوم عن داره، و ترك أحد الحما رين مقيداً، و الآخر طليق .. و لما رجع أخبره أحدهم بأن الحمار-الطليق طبعاً- قد أتلف الزرع ، فما كان من الشيخ إلا أن توجه نحو الحمار الآخر –المقيد- وانهال عليه ضرباً …هنا استنكر الحاضرون الأمر ، محاولين تنبيهه، إلى أن هذ الحمار مسكين ، و لم يفعل سوءاً ..فما كان منه إلا أن أجابهم ، بحنق، و هو يشير، إلى الحمار المقيد: (( دا لو كان مفكوك كان سوا أنعل ما داك)) ... أو كما قال.. و الحق اننا في السودان قد ابتلينا بضرب من ضروب الحكم الإسلاموي، أوشك أن يزهد العالمين، في دين رب العالمين ، بما رأوه من الظلم ، و العسف، و استغلال السلطان لمآرب الدنيا، و لكن الحكمة التي تعطيها هذه القصة السابقة، هي أن هذه ليست سوى مجرد ( عينة ، من طرف الشنطة).. حقاً أن العديد من الكيانات الإسلاموية، التي ربما ترى لنفسها فضيلة على الجهة الإسلامية، و ترى بأنها لو استلمت السلطة ، لكانت أهدى، سبيلا، أقول ،لوتسلمت السلطة ، لفعلت بنا ما لم يفعله ( الكيزان بالسودان).. ذلك بأن العيب ليس في تطبيق الجبهة الإسلامية ، لما هو صحيح من الفكر، بل العيب، كما ازعم، هو في عظم الفكر الإسلاموي ، المعاصر، سواء منه الفكر السلفي الصراح ،أم الفكر الإسلاموي (المتعصرن)، فإن هذا الفكر يعاني من قطيعة بعيدة الغور مع العصر، وحاجاته، من الديمقراطية ، والتواشج ، و التعايش (الإنسانوي)، السلمي القائم على احترام حقوق الإنسان، من حيث هو إنسان..و لإن كنت في مقال سابق قد وصفت ظاهرة الفصام الفكري، المسيطرة على المؤتمر الوطني، فإني أحتاج هنا لأن أقول بأن هذه الظاهرة في الأصل ظاهرة إسلاموية ، في الصميم ، أوقل إن شئت الدقة ، أنها ظاهرة ( إخوانية) أصيلة، فانت تراها بارزة في سلوك الإسلامويين على اتساع المعمورة او قل إن شئت التحديد من مراكش للبحرين.. مروراً، بلبنان حزب الله… أنت على سبيل المثال عندما تستمع ، لأحد دهاقنة الفكر الإسلاموي ، و هو الشيخ القرضاوين وهويتحدث عن قضاي المرأة،أوالديمقراطية، اوالمواطنة، تكاد لا تخرج برأي واضح يمكنك ن تبني عليه سلوكاً بعينه .. فالقرضاوي، كماغيره من الإسلاويين، رجل يعرف كيف يرسم باللون الرمادي، بإبداع.. و لعل المشكلة كما أراها هي في ذك الفصام بين الذهن الإسلاموي السلفي، المثقل، بتراث الجهاد، و الحروب المقدسة -الذي تجعل الفرد الإسلاموي ، لا يتخيل نفسه إلا (غالباً) ، و غانما ، أومغلوباً مقتولاً منتهكاً ، إذ لا توجد منطقة وسطى في أذهانهم - و بين فكر التعايش السلمي الذي لا غلبة لك فيه إلا وفق الدستور، و لا مغنم إلا تحت راية القانون الذي يساوي بينك، و بين الآخر مهما تكن الشقة بينك، و بينه عقدياً، و ثقافياً.. إن ذاك التراث الجهادي الذي كان للإخوان المسلمين المبادرة، و الباع الأطول ، في تقعيده، و إخراجه من قمقمه التأريخي، تجده أوضح مايكون في أغنية كان يرددها (إخواننا ) المسلمين، في السودان ، و هي أغنية (أنا عائد ) .. والتي بها بيت يقول .. ((لغة الدماء لغتي ، و ليس سوى الدماء*** أنا عن فنون القول أغلقت الفم..))…و الله لقد قلتم شيئاً نكراً.. فإن من يمثل هذا البيت من الإغنية، و لو جزءاً صغيراً من تفكيره ، لجدير بأن يذهب إلى أقرب مشفى نفسي ليتدبر مشكلته العويصة، و التي هي وجوده في مجتمع يسعى منذ عقود ، رغم عثراته ، لتحقيق دولة الدستور ، و القانون ، والتي تحرّم الدماء إلا بحقها الذي يمتلكه ، فقط من بيده القانون، و يشجع الرأي ، و يدعم حرية ((القول) مادام قولاً، باللسان، لا طعناً ، بالسنان... هذه الذهنية (الدموية) ، لا يمكن لعاقل أن يرى وشيجة منطقية بينها، و بين الديمقراطية، و السلام.. هذا يقال، و لو تمسح أصحابها بمسوح اللبرالية، و اقحموا أنفسهم في المعتركات الإنتخابية .. إن هذه الذهنية ، لم ، ولن ينتج عنها سوى السلوك الشمولي، و لن يكون أصحابها سوي ديكتاتوريين، سواء أكانو في الحكم، أم في المعارضة.. إن هذه الذهنية لا يمكن لصاحبها أن يدخل في دين الديمقراطية، و هو محسن ، إلا إذا تاب عنها ، و اغتسل من (دمائه) ، المتلطخة بها كلتا يديه، و الملتاث بهاعقله..
و لإن كان الإسلامويون من السنة قد قدموا نموذجهم ، المعبر لشمولية السلطة، و المعارضة، فإن حزب الله اللبناني يمثل في تقديري ، أنصع مثال للنسخة الشيعية.. هذا الحزب الذي استغل ((قميص المقاومة))، أسوأ استغلال ليحقق ديكتاتورية كالحة في وجه الشعب اللبناني، فأصبح دولة ،لا تبالي بالدولة، وسلطة تنتهك السلطة .. ذاك الحزب الذي يورط بلاده في حرب ماحقة تأكل الأخضر من أرض الجنوب ، واليابس ، دون أن يستشير، قبلها ، أو أن يعتذر بعدها، بل يلوم الآخرين على عدم مناصرته، و دعمه .. الحزب الذي يحتل بجيشه العاصمة، في حادثة يندى لها جبين كل حريص على أن تسود في الأرض قوة الحق ، لا حق القوة .. إن المرء ليتساءل .. أحزب هذا ام عصابة ؟؟؟.... إني أرى أنه كان أكرم لهذا الحزب لو بقي كياناً مقاوماً، موظفاً نفسه ، لما يزعمه من الدفاع عن حرمة البلاد ، و المقاومة للإحتلال الإسرائيلي، أو أن يترك في المقابل أمر الدفاع عن البلاد للجهة التي هو بالنسبة لها مهنةً ، وواجباً، و أن يدخل المعترك السياسي، كحزب، له رؤيته ، و برنامجه .. و لكن الذي يحصل من حزب الله هو فوضى تسيء لمبدئيته ، كحزب ، و لشرفه ، كمقاومة ، فإنه ليس مما يتسق مع الدستور، بالنسة لك كحزب أن تستخدم القوة في معترك الصراع السياسي ، و ليس من شرف المقاومة ، و الجهاد أن تستغل نضاليتك من أجل أغراض الدنيا بجاهها ، و سلطانها ، أو ان تستغل قوتك، ضد العزل من الأحزاب ، والمواطنين، الذين يفترض أنك قدهببت ثأراً لكرامتهم ، ولتهين كرامة الوطن الذي يفترض أنك كرست نفسه لحماية حرمته..
نواصل

منبر الدمار الشامل.. و الفرار من التنوع . . .

منبر الدمار الشامل.. و الفرار من التنوع . . .

د. أحمد الأبوابي


إحتفال بالإنفصال :

هاهو فأس الإنفصال يقع على رؤوسنا ، معشر المنحازين للوحدة ، و ها هم دعاة الإنفصال في الشمال ، يتنفسون الصعداء إذ أصبح الحلم قريباُ من الواقع ، بل صار عين الواقع .. و هاهم دعاة الأحادية ينصبون سرادق الأفراح تمهيداً للاحتفال بالإنفصال .. و في المقابل فإنا ليعتصرنا الحزن ، لفقد الجنوب ، و من ورائه فقد ذلك الكيان الكلي الذي كنا ننتمي له ، و نتسمى على أساس انتمائنا له ، سودانيين ، ذلك الذي كان يسمى بالسودان ، و يكنى بالوطن ، لنجد أنفسنا في كيان جديد مجتزأ و شائه تأسس على قناعات ، لم نشارك في تكوينها ، بل صنعها واقع فوضوي ، و نفوس مريضة ، متخلفة عن ركب الحضارة الإنسانية ، الذي يحتفي بالثراء ، و التنوع الثقافي ، و يسعى للتوحيد بين أجزاء العالم على نحو يصنع وحدة سياسية ، و ثقافية ، تعزف فيها الثقافات المختلفة لحنا واحداً يحمل جماليات كل قطر ، و ثقافة ، في وعاء واحد متسع ، و مرن الحواشي .. و لست أظن أن من العقلاء من يرى بأن الانفصال جاء عفوا ، و أو، فقط تبعاً ، لنية مبيتة عند الجنوبيين .. فالكل يعلم من هم الذين سعوا بكل جهد ليجعلوا الإنفصال جاذباً ، منذ مطلع فترة الانتقال ، ً عبر السياسات المنفرة ، و عبر الخطاب الإعلامي المنفصم ، و الذي ظاهره الدعوة للوحدة ، و باطنه الحث على الإنفصال .. ذلك الباطن الذي لم تكن سوءته لتخفى عن كل حصيف ، سيما ، و أن هذا الباطن كان يبدو من فلتات الألسن تكراراً .. أما ما جعله أظهر من عين الشمس هو أنه تجسد في خطاب ذلك المنبر الذي تدثر زوراً بأسمى القيم الإنسانية ، و هي السلام و العدل .. ذلك المنبر الذي إذ أفصح بكامل الهمجية عن جهويته ، و عنصريته ، لا أجد له اسماً أنسب من (منبر الدمار الشامل) ، ذلك بأنه إذا سارت الامور وفق السيناريو الذي أعلن عنه هذا المنبر ، فإن المصير لا شك هو تشظي السودان ، و دماره .. حينها لن يجدوا مكاناً يقيمون فيه صيواناً للأفراح ، احتفالاً باكتمال (المشروع الدماري) ، الذي به بشروا ، و له كانوا ، و ما زالوا ، يعملون ..

ميلاد دولتين عنصريتين ..

الحق أنه رغم كل المسوغات التي تقدم للانفصال ،و رغم تعاطفنا مع اخوتنا الجنوبيين الذين لم يجدوا منا ، في الشمال سوى الكثير من الذكريات المظلمة التي انمحت في تيارها كل تلك المظاهر الصادقة للتعايش الانساني ، الذي كان يتم في الحياة اليومية التي لا تميز بين انسان و إنسان إلا وفق الخبرات الإنسانية الإيجابية ، حيث لا يفضل صانع أخيه إلا بالمهارة ، و لا يفضل تاجر صنوه إلا بالأمانة و السماحة بائعاً ، و شارياً .. قاضياً ، و مقتضياً .. رغم هذا التعاطف ، و احترامنا لحلمهم الذي اتخذوا له عنواناً مؤثراً ، و جاذباً ، و هو الاستقلال، و حشدوا له أنفسهم سياسياً ، و وجدانيا ، حتى يأتي موكداً و جامعاً كما نراه الآن .. رغم كل ذلك فإن الحقيقة التي لا مجال لانكارها ، هي أن ما تم هو فشل لنا جميعاً في الارتفاع لمستوى العصر ، تعايشاً ، و تصالحاً مع التنوع ، و استثماراً له ، لخلق وطن عظيم .. إن المتابع للحوارات الجارية لفصل السودان ( ديمجرافياً) ، و و (جغرافياً ) ، يلاحظ بأنه لن يتم هذا الفصل إلا على أساس عرقي ، و عنصري .. ، فإن الإتجاه لسحب الجنسية ، من شماليي الجنوب ،و جنوبيي الشمال ، لن يكون ما لم يتم التركيز على العرق ، بعيداً عن ما هو متعارف عليه عالمياً ، من المعايير التي تجعل المرء ينتمي لوطن ما، كالميلاد ، و التزاوج ، و غيرها .. و الناتج في النهاية هو دولتين عنصريتين ، يرتبط المواطنين فيهما ، بروابط ( نيئة ) ، و غامضة ، تعتمد على أوهام التشابه .. هذا التشابه الذي قلنا عنه في مقال سابق ، هو ( السلام ، و مكائد العقل الانقلابي) : ((و لكن (العقل الإنقلابي) في الشمال قبل الجنوب، قد بيت النية، وعقد العزم، و حدد أعداءه، و ظل يحلم زماناً مديداً، بجنة خلدٍ، يعيش بها،، فرداً، مع من صوّر له خياله أنهم على شاكلته ... و لكن قف !!!... إنتبه !!!... نحن لسنا في عام 1983 مثلا، لنتخيل أن المشكلة مشكلة جنوب، في مقابل الشمال .. هاهي مأساة دارفور ماثلة للعيان، شاهدة على أن (من هم على شاكلتك ) كما تتصور، قد لا يكونون كذلك .. إن تجربة الإنقاذ و ما أذاقته لهذا الشعب من التنكيل ليس بالأمر الذي يغيب عن بال القارئ الحصيف .. إن ما ذاقه أهل الشمال من التصفيات، و العسف، و التعذيب في المعتقلات، و التشريد من الخدمة المدنية، أذاقهم إياه من هم على شاكلتهم، من زبانية الإسلام السياسي، والثقافة (الإسلامو-عربية) ... ثم أن ما تم من مفاصلة، في داخل الحركة الإسلامية، و ما تم على رؤوس الأشهاد من كيد الأخ لأخيه، و إقصاء (التلميذ، لشيخه)، لهو مما يؤكد ما ذهبنا إليه، و قديما قيل : ليس كل ما يلمع ذهباً ... فانتبه ....)) ..
لعمري إن تلك لردة في سلم التطور السياسي ، و الاجتماعي ، لم تأتي إلا لأن من ضاقوا بالجنوب ، و الجنوبيين ، هم من ضاقوا قبل ذلك بمن يتوهمون أنهم من شاكلتهم في الشمال .. فهم قد ضاقوا ، قبلُ ، بالتنوع السياسي ، فانقلبوا على النظام الديمقراطي ، ساعين لصبغ كل البلاد بلون مشروع واحد ، و رؤية واحدة .. و هم أيضاً ضاقوا بالتنوع الاجتماعي ، و الفكري ، و السياسي ، فشردوا الكفاءات السودانية عبر اجراءات (الصالح العام )، تلك الجائرة ، التي كانوا يسعون فيها لنفي كل مختلف عنهم فكراً ، و إبقاء من يوالون ، حتى و إن فاق الأوائل التالين ، كفاءة ، و خلقاً ، و علماً .. ثم ضاقوا بالتنوع الثقافي ، فمارسوا كل اجراء تصفوي ، و تدجيني للمطروح الثقافي الفني ، و الديني ، في السودان ، فأحالوا اللحن الثقافي السوداني إلى لحن أحادي النغمة ، ماسخ الطعم ..
و نخلص من كل ما سبق ، لأن الإنفصال ليس هو الحل لمشكلتنا في السودان ، بل الحل هو مواجهتنا في الشمال ، و الجنوب ، عبر جولة جديدة من التفاعل ، لهذا النهج الأحادي ، الذي يعبر عنه دون حياء ( منبر الدمار الشامل ) ، و أنصاره في الشمال ، و أشباهه ، في الجنوب .. بهذه المواجهة الواعية ، و الصارمة ، لا بغيرها، يمكن لفجر جديد أن يشرق على هذا البلد المنكوب ، و الآيل للتشظي ، ولن يضيرنا حينها إن ظللنا بلدين مستقلين ، و أو عدنا لوحدتنا المفقودة ، أو توصلنا لأي صيغة أخرى للتلاقي ، الذي سيكون حتماً مقضياً إن تسامينا ،عن الأحادية ، و الشمولية ، و تركنا وراء ظهورنا كل منبر يدعو للأحادية ، و الدمار.. و نقول لهم إن التنوع الذي تفرون منه سيظل يطاردكم ، من كل صوب ، و لو كنتم في بروج أحادية مشيّدة ..

السلام، ومكائد العقل الإنقلابي 2

السلام، ومكائد العقل الإنقلابي 2
أحمد الأبوابي عبد الوهاب*


العقل الانقلابي ونزعات الإنفصال

لعل العقل الإنقلابي يتجلى في أنصع صوره في نزعات الانفصال، التي طفت على السطح مؤخراً ملونةً الخطاب السياسي في الغرب وربما الشرق، دع عنك وجودها الأكيد في قطاعات واسعة من سياسيي الجنوب .. و ثالثة الأثافي هي ظهور منابر ( انفصاليي الشمال ) .. و لعلي أحتاج لتقرير أن القول بكون الانفصال هو الحل الأنجع لـ(مشكلة السودان )، المسماة بـ(مشكلة الجنوب )، هو رأي سياسي مشروع مبدءاً ... و دون شك فإن الإنفصال أحد الخيارات التي يجب أن يضعها في الحسبان من أراد أن يناقش المآلات المحتملة لهذه المشكلة المزمنة .. ولو كان الحديث عن الإنفصال متوكئاً على اعتبارات جغرافية، أو إدارية أو سياسية، محضة، لوجد قدراً من الإحترام والمصداقية لدى مناقشته، ولكن ما يجعلني أعارضه، هنا، وبوضوح، هو علمي الأكيد أن الأطروحات الإنفصالية لا تستند في الغالب الأعم على شيء مما ذكرنا آنفاً، بل إن وقودها الحقيقي، هو النزعات العنصرية ونزعات الإستعلاء، والإستعلاء المضاد (المصطلح للدكتور كمال الجزولي)، بشكلها الديني والعرقي، كما أنها قد تتوكأ على المظالم الجهوية التاريخية ... و الحق أن المظالم التاريخية التي تعرض لها (الهامش) السوداني من حيث شح التنمية والخدمات، مقارنة بالمركز، وقياساً بالمعايير الموضوعية، للحياة الإنسانية الكريمة، لهو قمين بإثارة الغبن و النقمة على الحكومة المركزية ونظامها الإداري القاصر، وفلسفة حكمها التي يعوزها الرشد.. وإن السلوك القائم على الإستعلاء العرقي و العقدي من أي قبيل من الناس على الآخر لهو كفيل بتوليد مشاعر الحقد الدفين والكراهية ...و لكن هذا لا يعدو تقرير الحقائق الماثلة .. و لعل النضج السياسي، والفكري يدفعنا لنتساءل : ثم ماذا بعد ؟ ... ماذا بعد الحقد و النقمة، و الكراهية .. ؟! إن (العقل الإنقلابي) سيهتف هنا متحمساً ...(الإنفصال).. و هنا نسأل : ما العاصم من أن تتكرر كل المآسي السابقة، في داخل الوحدة (أو الوحدات) السياسية المنفصلة .. إن التجربة الإنسانية، تخبرنا، بأنه لو كان هناك دولة بحجم حي من أحياء (جوبا )، مثلا، فليس من عاصم من أن يقع بعض مواطنيها ضحية العنصرية والإستعلاء والتهميش ... إذاً نحن أمام مشكلة إنسانية غير مقرونة شرطاً، بهذا القبيل أو ذاك، أو هذه الجغرافيا، أو تلك، وإنما هي نتاج خلل (فكري)، ووجداني، يتعلق بالأفراد، و هو في جزئية منه ما يعرف في علم النفس بالتحيز و التمييز، وخلل سياسي و إداري يتعلق بالدولة، يتمثل في عجزها عن ابتداع نظام إداري يستغل الموارد بفاعلية، ثم يوزع السلطة والثروة بعدالة على مواطنيه .. هذا إضافة للقصور الأخلاقي للحكام الذي يجعلهم لا يترفعون عن استغلال السلطة لأجل مصالحهم الشخصية، والحزبية والجهوية،، ... فإن يكن الأمر كذلك فلم لا نتوجه مباشرة، لمعالجة هذه الأنماط من الخلل، و لا يحولن بيننا، وبين ذلك تلبسها بلبوس دين ما، أو ثقافة ما، أو تعارض الحل مع مصلحة تخص مجموعتي أو مجموعتك ... و لكن (العقل الإنقلابي) في الشمال قبل الجنوب، قد بيت النية، وعقد العزم، و حدد أعداءه، و ظل يحلم زماناً مديداً، بجنة خلدٍ، يعيش بها،، فرداً، مع من صوّر له خياله أنهم على شاكلته ... و لكن قف !!!... إنتبه !!!... نحن لسنا في عام 1983 مثلا، لنتخيل أن المشكلة مشكلة جنوب، في مقابل الشمال .. هاهي مأساة دارفور ماثلة للعيان، شاهدة على أن (من هم على شاكلتك ) كما تتصور، قد لا يكونون كذلك .. إن تجربة الإنقاذ و ما أذاقته لهذا الشعب من التنكيل ليس بالأمر الذي يغيب عن بال القارئ الحصيف .. إن ما ذاقه أهل الشمال من التصفيات، و العسف، و التعذيب في المعتقلات، و التشريد من الخدمة المدنية، أذاقهم إياه من هم على شاكلتهم، من زبانية الإسلام السياسي، والثقافة (الإسلامو-عربية) ... ثم أن ما تم من مفاصلة، في داخل الحركة الإسلامية، و ما تم على رؤوس الأشهاد من كيد الأخ لأخيه، و إقصاء (التلميذ، لشيخه)، لهو مما يؤكد ما ذهبنا إليه، و قديما قيل : ليس كل ما يلمع ذهباً ... فانتبه .... لأجل ذا فإن ما كان يردده الأستاذ محمود محمد طه و ببصيرة ثاقبة و سبّاقة، منذ بواكير مشكلة الجنوب من أن (حل مشكلة الجنوب في حل مشكلة الشمال )، بات مما يمكن لأقل العقول ألمعية، أن تبصره ... إن مقاومة الراحل المقيم الدكتور جون قرنق، لأي انجراف نحو مزالق الإنفصال، والإصرار على توصيف المشكل، كمشكل سوداني، و ليس جنوبي، فقط، لهو مما يجب لساسة الجنوب، أن يعتبروه رصيداً لا يمكن التنازل عنه، و حداً أدنى، لا يصح التقاصر دونه...

العجلة آفة العقل الإنقلابي... و الغرض مرض

علمتنا أمنا الطبيعة أن لكل شيء إيقاعه، وأن الإثمار لا يسبق الإنبات، وعلمنا القرآن أنْ (مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ) ... إن التعايش لأمر حيوي وجلل،، ولهذا فهو لم يكن يوماً بالأمر اليسير ... إن مسار التخليق و التوحيد، الذي مشته كثير من الشعوب خطى، في سبيل مجتمع يجمع في آن، بين الوحدة المتسقة، و التنوع الثر، لهو مسار يلزم الكثير من الصبر، و النضج، و كظم الغيظ، و معالجة (الوساوس الانقلابية)، وتوحيد جهود المتعايشين لبناء كل يجد فيه الجميع أنفسهم، دون أن ينقص ذلك من خصوصية أحدهم شيئاً ... ذلك هو مسار التعايش، و السلام، و الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، فكل أولئك ذرية بعضها من بعض .... لكن (العقل الإنقلابي) الذي ينفث في عقد العنف، والخيانة، والقطيعة، ونقض العهود، لم يتعلم ذلك، لأنه،، و كما قيل : (الغرض مرض) .. و(المفارق عينو قوية)، فـ(العقل الإنقلابي)، مفارق، ومنذ أول اللقاء، لذا لا معنى و لا داعٍ عنده، للصبر، .. إن الزمن الذي يتوجب عليه أن يظل فيه على وصال مع المتعايشين معه، ليس فسحة للخروج من حالة الإنغلاق، وفرصة لاختبار الواقع الجديد، وتمحيص الذات، وتطويرها، والتعاون مع (المتعايش معهم)، للوصول لأفضل ما يمكن التوصل إليه في إطار التعايش، بل هو سجنٌ (للروح الانفرادية)، لا يجد فيه متعةً سوى عن طريقين، أولهما: أحلام اليقظة، التي تأخذه إلى جنة خلده فرداً، حيث الرفاه والسلطان، والعزة اللامتناهية، والسلام مع (من هم على شاكلته )، و ثانيهما: الفعل الظاهر، والباطن لإفشال مجهودات التعايش، لكي يجد لنفسه مبرراً، عندما يحين حين الفراق ... ولنتأمل على سبيل المثال، المبررات التي يسوقها العسكر،، لتبرير إنقلابهم على السلطة، إنك تراهم يدبّجون الخطب الرنانة، والعبارات الداوية، في سبيل إكساب الشرعية لفعلهم المبرم أمره، مسبقاً، و قبل حدوث أي من المبررات التي يسوقون .. إن نزعة الإنقلاب - هنا أعني الأنقلاب بمعناه الأوسع- كما سبقت الإشارة، هي نزعة ذاتيه، أقرب لأن تكون (وسواساً قهرياً) ينتاب مجموعة من الناس، في لحظة زمنية بعينها، فيأتون فعلهم، ثم، بعدها، يؤوبون لمخاطبة الرأي العام ليستخدموا غاية (التعايش)، لتبرير وسيلة (الإنقلاب) ... أو ليبدوا أنهم مع التعايش مبدءاً، و لكن في هذه الحالة بالتحديد، (و يسمون الحالة)، لم يكن ثمة فرصة للتعايش .. و حينها، يضعون الناس، أمام الأمر (الإنقلابي) الواقع، ولنذكر على سبيل المثال، لا الحصر : حرباً أهلية أو إقليمية، فتنة طائفية، حكومة ديكتاتورية، تجزئة دولية (انفصالاً)، والى آخر أشكال الفعل الإنقلابي ...
* دارس في مجال الطب النفسي

السلام ومكائد العقل الانقلابي1-2

السلام ومكائد العقل الانقلابي1-2
أحمد الأبوابي عبد الوهاب*


يشغلني كثيراَ سؤالٌ، من المؤكد أنه يشغل الكثيرين من المعنيين بشأن هذا البلد المُمتحن.....لماذا لا تصل مشكلاتنا السياسية لحل حقيقي وجذري رغم الجهود المقدرة كماًً، والمتفاوتة نوعا، من حيث التجويد فيها والقناعة والصدق في حال العكوف عليها، بحيث لا يصح منطقاًُ وعدلاً اعتبارها، كلها، أو جلها، صفراً في عداد ما هو إيجابي ومرجو للوصول لحل حقيقي؟؟ . . لعل اتفاقية (نيفاشا) وما بذل فيها من جهد وما أنفق في مسارها من زمن تصلح مثالا مغنياً عن المزيد في تأكيد ما ذهبت إليه ..
إن القائمة لتطول دون حد لو أننا أخذنا في تعداد العوامل التي تؤدي لفشل جهودنا في هذا البلد للوصول لسلام شامل ومستدام، ولنذكر على سبيل المثال لا الحصر، هذه النزعة اللامبدئية (التكتيكية) لدى معظم الأطراف السودانية المفاوضة في اتفاقيات السودان (الشمالية - شمالية، والشمالية - جنوبية) على مر الأزمان .. وربما يذكر ذاكر طابعي التجزئة والانفراد لدى الكثير من القوى، فيما يعرف بسباق الكراسي، وقسمة (الكيكة)، كما يعبّر ساستنا المبجلون، متزامّين أحياناً و متندرين أحياناً أخرى، ومتذاكِين، متفاخرين في غالب الأحوال ... هذا هو رأس القائمة التي في ذهني و لكن لا تسأل عن الذيل، فهو يتوقف على مقدرة القارئ على الإحصاء .. ورغم طول القائمة، فإن هناك عنصراً تجده حاضراً في كل أزماتنا السياسية، وكل إخفاقاتنا في السلام و التعايُش، ألا وهو ما عن لي أن أسميه (العقل الإنقلابي ) - في مقابلة (العقل التعايُشي) - والذي ربما كان مناسباً أن نجعله قاعدة، أو قل، خلفية لمناقشة عدد ليس بالقليل من جوانب أزمتنا في السودان ..

التعايُش والروح الإنفرادية :

من البداهة التي يسندها النص الديني أن ( الأعمال بالنيات).. فإن روح أي عمل إنساني خلاق هو ذلك القدر من القناعة، و القصدية، والصدق الذي يجب أن يتوفر قبل إقدام المرء عليه .. و لعل أي عمل يقدم عليه المرء (بنصف نية ) هو عمل مهزوم مبدءاً .. إن هذه (النيات)، بالذات هي ما تنقص كثيراً من إدعاءاتنا التعايُشية و جهودنا التصالحية .. ولكي لا يبدو ما أقدمه كخطاب وعظي، أخلاقي، أؤكد، أن ( الوعظ)، هو آخر ما أعنيه، هنا، و إنما أَعنِي و أُعنَى، في هذا المقام بالتحليل، الذي يبغي الفهم .. و الفهم بلا شك هو المقدمة الشرطية لكل فعل إيجابي تجاه الذات ..
و بدءاً نقول إن أمر التعايُش في الحضارة الإنسانية، لم يكن يوما بالأمر الهين، أو الذي يُؤتَى عفواً، وإنما كان حافزه أبداً، إما التجارب الأليمة، في الاحتراب و العداء، أو الحكمة المستبقة والمتفادية، لتلك التجارب.. و في كلا الحالين، فما تعايش فردان بشريان أو مجموعتان، إلا بوعي (قل أو كثر) وقصد ... وعي بضرورة التعايُش، و وعي بالثمن المدفوع، لأجله، من رغبات كل فرد وتصوراته التي تمليها عليه (الروح الانفرادية) .. هذه الروح التي تظل كامنة في كل حالة تعايش، فلكأن في كل فرد ذلك الحنين للإنفراد، والاستئثار بالمنافع والملاذ الدنيوية ما وسعه في ذلك الوسع .. ذلك الحنين الذي يكبت، و يوارى لصالح ( الروح التعايُشية) .. و الحق أن ما يصح في حق تعايش الأفراد فيما بينهم، يصح في حق المجموعات، من شعوب و أمم إلخ ... إنك تجد أن لكل مجموعة هذه الروح الانفرادية، مع وبجانب الروح التعايُشية مع المجموعات الأخرى ... إن التجارب المجتمعية الناضجة تجعل هذه ( الروح الانفرادية) تنحصر في أضيق نطاق، ويتم التسامي بها، لتصبح معبراً عنها في صور مشروعة وصحية مثل الخصوصية الثقافية لمجموعة بشرية ما، كما وتعبر عنها وشائج (الرحم) التي تربط أبناء المجموعات الصغيرة، في ظل انتمائهم للمجموعة الأكبر ...
ما سبق هو الصيغة الطبيعية، والمشروعة عرفاً و قانوناً.. و لعل القارئ يستنتج أن هناك صيغة غير طبيعية، وغير مشروعة .. أجل هذا ما أعنيه .. هذه الصيغة هي ما عبرت عنه سابقاً، بـ (العقل الإنقلابي) ... و به أعني ذلك النظام الفكري الكامن في نفوس المتعايشين، والذي قاعدته هي البغض للآخر، و الضيق به، و التوق للحظة التخلص من رابطة التعايُش معه ومع جميع أطراف (الكل التعايُشي) .. كما يقوم على التمرد على النظم التي تحكم العلاقة الإنسانية مع الآخر والتي تقيد نزعات الأنانية و (الإنفراد) والاستعلاء و الاستغلال .. لسان حال العقل الإنقلابي هو ( ولو أني حبيت الخلد فردا)، على سبيل التمني، دون أن يشفعها بشطر بيت المعري الرائع (لما أحببت بالخلد انفرادا)..

معنى أشمل للانقلاب :

و لعل القارئ يلاحظ أنني هنا أستخدم المصدر ( انقلاب) بمعنى مختلف، أوسع من المعني المتعارف عليه في الأدب السياسي وهو الانقلاب العسكري .. و أضيف بأنه في حين أن هذا المعنى يشمل الإنقلاب العسكري فهو لا يقتصر عليه، بل يتعداه إلى أنماط أخرى من (الإنقلاب) سنعرض لها في حينها ... و (الإنقلاب)، بهذا المعنى الواسع، هو أي نمط من السلوك السياسي، والاجتماعي يهدف لإجهاض صيرورة التعايُش السلمي، و فرض واقع لا يمثل إلا مصالح مجموعة بعينها (مجموعة سياسية، أو إثنية، أو أيديولوجية، أو دينية) أو مجموعات قليلة متحالفة، على حساب (الكل التعايُشي )...
إن العقل الإنقلابي هو الوليد، ناقص التكوين، للتناقض بين (الروح التعايُشية) و (الروح الإنفرادية) ... إنه ذلك الوعد الكاذب من الروح الانفرادية لذاتها ... فلكأني به ينفث في روع صاحبه، بأن الفرج قريب، و أن هذا التعايُش (البغيض) إلى زوال .. و لكن العقل الإنقلابي ليس مجرد وعد بل هو مكر و كيد للآخر و(للكل التعايُشي) .. فإنه إن تكن الديمقراطية، و الاشتراكية والسلام والتعايُش والمدنية بكافة عناصرها، هي تجليات ( العقل التعايُشي)، فإن الإنقلابات العسكرية، و نزعات الإنفصال، و القطيعة، و الإستعلاء والعنصري و الديني ، و الحروب والإستيحاش بكافة ملامحه، هي أبرز ما تجود به قريحة ( العقل الانقلابي)...

العقل الإنقلابي واتفاقيات الحبر و الورق

إن من المحزن أن نصل لملاحظة منطقية و أساسية، مفادها أن اتفاقياتنا السياسية تنقض منذ لحظة التوقيع عليها، ذلك، لأنها وإن خطت بمفردات (العقل التعايُشي)، فإن مهندسها، هو (العقل الإنقلابي)، الذي يتخذ الاتفاق دوما معبراً لغاية إنقلابية ما .. و ليس هذا القول بحاجة للمزيد من الشرح !!!.. إن اتفاقاتنا السياسية في الغالب الأعم، باطلة بطلان صلاةٍ بلا نية ... بل إن بعضها، أكثر بطلاناً من تلك الصلاة، لأنها لا تعوذها النية فحسب بل أنها تتم بنية المكر و الخديعة والمراوغة ... إنني لا أميل إلى التعميم، فأقول بأن كل أفراد الوفود المفاوضة، في اتفاقياتنا السودانية هم منافقون و ماكرون .. هذا ما لا ينبغي لي، و لا لأي شخص محايد، يزعم أنه يقدم تحليلاً موضوعياً لواقع بمثل تعقيد واقعنا السوداني .. و لكني أقول إن جميع هؤلاء الأفراد هم ضحايا، وأسرى لنزعات نفسية، قد لا يعيرها السواد الأعظم منا اعتباراً، إما لجهله بها، أو لأنها ليست، عنده، محل اعتراض ... فالنزعات العنصرية، و العصبيات الدينية و الطائفية، و نزعات الإستعلاء العرقي، والديني، المسيطرة على قطاعات هذا الشعب بعامته و مثقفيه، لن تسمح لنا أن نحقق سلاما، إلا أن يكون حبراً على ورق ... إن من يوقّع اتفاق سلام مع شخص، هو لا يراه أهلاً للحرية، أو الكرامة الإنسانية، هو كمن يمد يده اليمنى مسالماً وهو يحمل باليسرى مديةً قاتلة ...هذا فضلاً عن الفلسفة السياسية التي تطغى عليها البراغماتية و التكتيك في أحسن الأحوال والميكيافيلية في أسوأها و أعمها ...نواصل
* دارس في مجال الطب النفسي

في تأبين (ماكينة الرونيو) ، و وداع الشمولية ..

في تأبين (ماكينة الرونيو) ، و وداع الشمولية ..

د. أحمد الأبوابي


(1) - (( ليس القوي بالصرعة )) .. كذلك ليس إنجازاً جديراً بالاحتفاء أن يتمكن نظام من قهر شعبه ، و تكميم أفواههم عقوداً أو سنين .. ليس إنجازاً يمكن للشخص السوي، ذي العقل و الخلق أن يفرح به .. و لكن بعض الناس يفعلون .. فأنت تراهم منتشين حين يتحدثون عن قدرتهم على قمع الرأي ، و تكميم الأفواه ، و إجهاض حركات الجموع ، و هي تسعى للتعبير عن رأيها ، اعتراضاً على حيف من عدوا مصالحها ، و هم أجراؤها .. و تراهم يفخرون بأنهم قد قلموا الأظافر ، و أرهبوا كل معارض ، فلم يبق في الأفق من يجرأ على أن يقول للحاكم ( لا ) .. و لعمري إن المرء ليرثى لهم قبل شعوبهم .. فيا لهم من غافلين ..
هاهي إنجازات أنظمة القمع العربية ، في تكميم الأفواه تصير لعنة عليهم ، و تتحول إلى وقود للثورة لدى الملايين التي صبرت ، عقوداً على الظلم ، مدفوعة بالخوف حيناً ، و باللامبالاة حيناً آخر .. الآن يدفع طاغية تونس ثمن طغيانه ، فينتهي به الحال ذليلاً بعد عز ، طريداً خائفاً ، بعد جاه ، و أمن .. و هاهو فرعون مصر يصل إلى آخر فصول مسرحية تزيييف الديمقراطية ، فيهب في وجهه عين الشعب الذي زعموا أنه قد اختاره لعقدين من الزمان ، رئيسا ، بل ملكاً متوجاً..
(2) – العالم يتغير ، في كل شيء ، و مع هذا التغيير ، تنقرض بعض الأشياء، و الأدوات التي كان لها فيما مضى شأن عظيم ليحل محلها ، ما هو أقدر منها خدمة الغرض الأصلي الذي من أجله صنعت .. و بيوتنا السودانية ظلت تودع منذ زمن رموزاً منزلية ، خدمت اغراضاً جليلة ، فحق لنا أن نحتفي بها ... و مثال ذلك الفانوس ، و الرتينة ، و ( المرحاكة ) .. و من جانب آخر فإن إخوتنا السياسيين لابد يذكرون بكل الخير أختهم ( مكنة الرونيو ) ، تلك التي كانت المستهدف الأول من قبل الأجهزة الأمنية لدى مداهمتها لمنزل شخص معارض للنظام .. الآن في عصر الكمبيوتر ، و الانترنت ، و طابعات الليزرجت ، حق لنا أن نقف تقديراً لأولئك الذين كانوا يتكبدون مشاق تلك المهمة العسيرة ، و المخاطرة الجسيمة ألا و هي طباعة المنشور السياسي .. و كذلك إذ نودع ماكينة الرونيو ، نودع معها في وقت واحد نمطاً من أنماط الحكم ، و شكلاً من أشكال المعارضة.. فالمشهد التالي لن يتكرر بعد اليوم .. مجموعة من الأشخاص يتسللون إلى بين مهجور ، أو مجهول .. يتسللون واحداً ، واحداً ، في حلكة ليل بهيم .. يدخلون واحداً تلو الآخر إلى ذلك البيت .. لا يتكلمون ، إلا همساً .. أحدهم يحمل في يده مسودة ، للمنشور المراد طباعته ، أو في سياق آخر ينهمكون في صياغة جماعية لذلك المنشور .. ثم يشق صمت الليل صوت تلك الآلة العجيبة .. طق ، طق، طق .. ثم تبدأ عملية شاقة و مملة يخرج بعدها المنشور إلى العلن ، محاطاً بالكثير من الخوف ، و الترقب .. و بعدها بساعات، يدخل المنزل رجال ذوي صفة أخرى، يبحثون بدأب عن صديقتنا (ماكينة الرونيو) .. هذا طبعاً بعد حملة واسعة للاعتقال ، لقيادات ذاك الحزب..
(3) وداعاً لماكينة الرونيو ، و مرحباً بالفيسبوك، و تويتر ، و اليوتيوب ، و أخواتها .. إنه عصر الثورات الالكترونية يا صديق .. فوداعاً للأيادي المرتجفة ، و هي تطبع ، و وداعاً لمخاطر توزيع المنشور السياسي .. اليوم يوم الشباب المتسلح بالمعرفة الكافية لفنون التعامل مع تكنولوجيا الاتصال .. تلك التي عابوا عليه من قبل اهتمامه ، بها ، و انكبابه عليها ، ظانين به ، أنه لا يعرف سوى كيفية تحميل أغاني نانسي عجرم ، أو البحث عن طريقة لتجاوز حجب المواقع الإباحية .. هاهو الشباب العربي يثبت للجميع بأنه قادر على صنع المآثر ، و و انجاز الثورات .. و هاهي منتديات النت ،و صفحات الفيسبوك تغدو منبراً للتغيير ، بعد ان كانت غرفاً للغو الكلام ، و ماجن القول ..
(4) .. ليس الحاكم القوي بالصرعة .. بل الحاكم القوي هو
الذي يستوعب ضرورات العصر ، و حتمياته .. و اليوم فإن العصر ينطق بلسان فصيح .. أن وداعاً للشمولية ، و قمع الشعوب .. فكما انقرضت (ماكينة الرونيو) ، فإن قانون البقاء للأصلح ، و حتمية الإنتخاب الطبيعي في بعدها الاجتماعي تقول بأن أي نظام يتجاهل إرادة الشعوب فهو سيذهب إلى مذابل التأريخ ، و غياباته .. و كذلك فإن أي نظام لا يدرك لطبيعة العصر الجديد ، سيفيق ، بعد حين من الزمان قصير ، على حقائق و وقائع تستثير شفقة الخصم الألد ..
(5) .. اليوم يشرق صبح جديد يزول فيه الوهم بأن الملك للأجهزة الأمنية تؤتيه من تشاء ، بالكبت ، و التقتيل ، و الإذلال ، بل أسفرت حقيقة كانت قبل قليل ضمن حقائق الدين ، و مقولاته .. (( قل اللهم مالك الملك ..تؤتي الملك من تشاء) .. فها نحن نشهد من الأحداث التي تجري أمام أعيننا على شاشات التلفاز بأن مصائر الشعوب ، و الحكم لم تعد قابلة للتكهن ، و الحسابات الأمنية ، و الاجراءات التحوطية ، التي يجند لها الجند ، و تدجج لها الجيوش .. و لذا فإن من اليسير على كل عاقل أن يدرك أننا أمام نهاية عهد ، و بداية عهد آخر .. فاليوم انتهى عهد امتهان إرادة الشعوب ، و قهرها .. ذلك القهر الذي تبين أنه غير مأمون العواقب ، و لو طال السفر .. و كذلك انتهى العهد الذي يمكن فيه تزييف إرادة الشعوب ، و تزوير الديمقراطية .. فدوننا الشعوب الصامتة الصابرة ، التي غضت الطرف عقوداً من الزمان ، ترسل دكتاتوريي (صناديق الاقتراع) ، إلى المنافي ، ليطاردهم (الانتربول) ، هم ، و أسرهم .. و إذا بهم إذ دهمتهم نائبات الثورة التي لا تأتي إلا بغتة ( يخربون بيوتهم بأيديهم ، وأيدي المؤمنين ) .. فحق لنا اليوم أن نقيم سرادقاً متعدد الأغراض .. تابين ( ماكينة الرونيو ) ، و الاحتفاء بالفيسبوك و اليوتيوب ... و وداع الشمولية إلى مثواها الأخير ..

الخميس، 2 فبراير 2012

الطائفية و الهس الديني .. من التجريم إلى التشخيص 3

الطائفية و الهس الديني .. من التجريم إلى التشخيص (3)


هذه هي الحلقة الثالثة في مناقشة موضوعي الطائفية ، و الهوس الديني ، على نحو تشخيصي ، يبعد ، أو يسعى لأن يبتعد ، عن الحكم التجريمي .. و هي الأخيرة في ما يخص موضوع الطائفية .. و لست أعتقد بأنني قد تناولت الأمر يما يكفي من التفصيل ، بل إني قد حاولت الاختصار لأقصى الحدود ، و عزائي بأن ما تم ، و سيتم هو فتح لبعض الأبواب المغلقة ، و استفزاز لنوع من التفكير ، ربما لا تجد له عند الكثيرين حماساً ، أو عليه اجتراءاً ..



الفكر ، و العقيدة .. الحق ، و الرجال ..



أن نقطة الخطر في العلاقة بين القائد والمقود في مجتمع تحكمه قيم صوفية هو أن العلاقة هنا عقدية ، و عاطفية من الدرجة الأولي .. هذا بخلاف العلاقة في المؤسسات العلمانية ، التي يمكن أن يقال أنها تغلب عليها المضامين عقلانية مع عدم غياب العاطفة ، قطعاً.. ففي المجتمع الصوفي التكوين ، و التوجه ، الفرد ( المقود ) محتاج للقيادي كي يصح دينه ، لأن القيادي بالنسبة للمقود هو تجسيد للقيم العليا (المجردة) ، و هو الواسطة والوسيلة بينه وبين النبي ... و هذه علاقة أشبه بعلاقة الأبن بأبيه ، اكثر منها ، بعلاقة الأخ ، بأخيه .. هذا ما يؤدي لغياب عنصر (الاستقلالية) ، الذي هو شرط أساسي للحوار الفكري الحر ، و التفكير النقدي .. ولقد كانت العلاقة في الطرق الصوفية منذ نشأتها تقوم علي الطاعة المطلقة .. لقد كانت الطاعة المطلقة للمرشد هي طريق الفيوضات والأنوار لدي المتصوفة وكانت هي طريق الكمال والفلاح. . إن هذه الخاصية ، لهي في تقديري ، عقبة أمام التزام الفكر الصوفي في واقعنا المعاصر الذي يسيطر على الشباب فيه القلق ، و الشك في كل شيء ، و نمت في من هم في سن الطفولة نزعة المطالبة بالحوار ، و الإقناع . و لإن كانت خاصية الطاعة المطلقة خطيرة ، فيما يخص الكيان الداخلي ، و علاقة الفرد بقائده ، و إخوته ، فإن الأخطر هو انتقال هذه السمة – سمة الطاعة ، و التسليم- من حيز الترشيد ،و التسليك الديني ، إلى حيز الحراك السياسي ، و التفاعل مع واقع يحتاج للدرس ، و التحليل ، لا التصديق ، و التسليم ، و مع ( الآخر)، الذي يقتضي منك حواراً لابد ، للفكر المستقل (فكرك أنت ) ، أن يكون حاضراً فيه.. كما أنك تنتمي إلى كيان أكبر فيه آخرين لا يشاركونك اعتباراتك (العقائدية) ، التي تجعلك تقول أحياناً في شأن شيخك : (لإن قال فقد صدق)..
لكل ما سبق فإن القداسة لا يمكن فصلها ، من السياسة بالأماني ، و الشعارات ، بل بالمجهود المستمر لحظة بلحظة ، من قبل القادة ، لتحرير العقول من أمرين هما الخوف – خوف المخالفة ، و الإنمياز- و الكسل الذهني .. و بالمقابل مجهود من المقودين ليضعوا كل أمر يعرض عليهم ، في إطاره الموضوعي الذي تصح المقولة ، فيه أو تخطأ بغض النظر عن من هو قائلها ، أكان شيخك ، أم أخوك ، أم عدوّك .. و الترياق في كل أولئل ه في كلمة واحدة هي (الفكر) .. و لعله من المفيد أن نذكر الأسهام العملي للأستاذ محمد محمد طه في هذا الأمر عبر ما عرف بقاعدة (الطاعة بفكر ، و المعصية ، بفكر) ، فبهذه القاعدة يتحمل مسئولية تفكيره ، و عمله ، بحيث لا يحق له أن يحمل القيادي أمراً خاطئاً أقدم عليه ، بحجة أنه كان متبعاً لأمر القيادي ، و توجيهه .. فهنا يكون الفكر ، و النظر هو وسيلتك في التعامل مع المعضلات ، و الخيارات سواء أأطعت قائدك ، أم عصيته .. هذه في تقديري مساهمة مقدرة في إيجاد التوازن في العلاقة بين القائد ، و المقود تجعل الطلافين في حاجة للتيقظ الفكري ، الاجتهاد ، فلا القائد مخول لأن يطاع فيما أمر بلا قيد ،و لا المقود معفي من الإختيار ، و إعمال الفكر.. و كما قلت فإن الأمر يحتاج لليقظة ، و الاجتهاد ، و هذا لعمري مجهود ، لا يتاتى إلا لقائد تحرر في داخله من حب التبعية ، و الإنقياد ، ( لذة النهي و الأمر ) ،و توكدت في ذاته كرامة الإنسان ، و حريته ، و قيمة الفكر الحر ، و حتميته .. هذا و إلا فكل رابطة صوفية ، تحمل في داخلها جرثومة الطائفية..
و لعل هذا يرجعنا إلى قيمة و محك إنساني لا يختص به كيان معين ، و هو الجمع ، بين الفكر ، و العاطفة (الشعور) .. كيف نستطيع ، أن نكون حريصين على جعل الحق ضالتنا ، نتحرّاه ، و نطلبه ، و نأخذ به ، أيّا من كان قائله ، رغم ، ما تنطوي عليه ، قلوبنا ، من حب ، و تقدير ، أو بغض ، و احتقار ، لمن نخالطهم ، من أشخاص ؟؟ .. كيف نستطيع ، أن نتعامل ، مع الحق كنقطة ، متحرّكة ، و نسبية ، و خصيصة ، لا يحتكرها ، أحد ، على ظهر هذا الكوكب ؟؟ .. إن إحدى آفات الفكر ، هي الإلتواء .. و إن من خصال الفكر الملتوي ، هي الإطلاق ، و التعميم .. و لعلّ العاطفة الفجّة ، هي من أبرز ما يلتوي ، بالفكر ، و يُحيّزه ، و يجعله أقرب إلي الإطلاق ، و التعميم .. و العقيدة عندي ، ليست ، سوى القليل ، من الفكر ، و الكثير ، من العاطفة..
الحق ، و ارجال : ..
إن تفاضلية الفكر، و العاطفة ، هي ، فيما أرى تتصل مع تفاضلية أخرى ، هي تفاضلية الحق ، و الرجال ، تلك القديمة .. لعل القراء يذكرون ذلك السؤال ، الذي سأله رجل للإمام علي ، عن كيف يمكننا أن نحكم بين فريقين ، يقود كلاهما أجلّ أصحاب رسول الله (ص) ، و من هم مبشرون بالجنة .. فما كان من الإمام على إلا أن قال له .. ( إنك امريء ملبس عليك .. ليس بالرجال يعرف الحق ، إنما بالحق يعرف الرجال.. إعرف الحق ، تعرف أصحابه ) .. و معرفة الحق تحتاج الفكر القوي المحايد .. و تحتاج معه أيضاً ، الصبر ، و المجاهدة .. و لكن النفس ، تميل إلى الراحة ، و اليسر .. لذا فالأيسر لها ، هي أن تصنف الرجال ، إلى رجل هو موضع ، و حبها ، و ثقتها ، فتسلمه ، أمر فكرها ، فإن قضى أمراً ، فما لها ، في ذلك ، من خيرة ، دعك ، عن إعتراض ، و رجل هو موضع شكها ، و تمردها ، فيكون ، منها ، نحوه دوماً ، السخط ، و الاعتراض.. إن الطائفية تنتج عندما يكون الرجال عندنا أحبّ من الحق..
إنّ إحدى أزماتنا في هذا مجتمعنا السوداني هي ، أننا لا زلنا نعطي للرجال ، وزناً ، و اعتباراً ، يفوق ، و بكثير ، ما نعطي ، من وزن ، و اعتبار ، للحق .. و بهذا فإن آفة الطائفية هي واردة الحدوث في أي مجتمع تتضحم فيه قيمة الرجال ، و الكيان الطائفي ، على حساب الحق
و هنا أقول أن هناك صورة منفرة ظل يقدمها المناهضون للطائفية ، و هي أن نواب التنظيمات (الطائفية) ، يتحركون بالإشارة .. و لعل من يذكرون ذلك كانوا يقولونه ، و هم راضين عن أنفسهم ، و شاعرين بأنهم بمأمن من الطائفية ، ولكني أقول لهؤلاء ، و هؤلاء بأن الطائفية ، ستظل شبحاً يطارد كل الكيانات القائمة الآن ، و أخص منها الدينية ، و المرتكزة على قيم صوفية بشكل أخص ... و أن ما نراه ، في آخر الطريق ، في محطة الذين يتحركون بالإشارة ، يبدأ مما يحدث ، في أولى محطات الطائفية .. كلا المحطتين ، بها لافتة كتب عليها : قف .. الرجال أهم ، من حق

الثلاثاء، 31 يناير 2012

الطائفية و الهوس الديني .. من التجريم إلى التشخيص .(2)

الجريدة ...الأحد 3 اكتوبر 2010
الطائفية و الهوس الديني .. من التجريم إلى التشخيص .(2)

الطائفية في السودان خصوصية المصطلح و المفهوم:

لا يغيب عن بصر اللبيب أن كلمة الطائيفية لها مدلولاتها المتعددة التي سنحاول استعراضها، هنا بشكل وافي، كما أن لها صور مختلفة باختلاف الدول التي يدور عنها الحديث .. ففي لبنان، مثلاً تأخذ معنيي الإختلاف الديني (الملّي) بين المسلمين و المسيحيين، و كذلك الإختلاف المذهبي بين السنه و الشيعة ..الخ..أما في مصر فهي تأخذ المعنى الأول (الملي)، بصورة أساسية ، بينما في العراق ، تأخذ المعنى الثاني (المذهبي)، بصورة أساسية .. أما هنا في السودان فإن المصطلح يستخدم حصرياً للتعبير عن الإختلاف بين الطائفتين الكبيرتين من المسلمين (السنة؟؟) و هما الختمية و الأنصار ، و ثالثتهما (الهندية)، أحياناً.. و لم يؤثر استخدامها للتعبير عن الاختلاف الديني رغم أن السودان وصف دوماً بأنه بلد متعدد الأديان و الثقافات.. الخ..
و (الطائفية) بحسب ( ويكيبديا) و بعض القواميس هي نوع من الإنتماء و الإلتزام الجامد و المشتط تجاه مجموعة دينية تفترق عن مجموعة أكثر شمولية و قديمة النشأة ... هذا الإنتماء المشتط ، الجامد، في تقديري يؤثر سلباً على ثلاث علاقات أساسية هي : العلاقة القائمة بين الفرد و ذاته، أعني مقدرته على التصالح مع ذاته، و على الرؤية الناصعة، المستقلة، و الإختيار السليم كما تؤثر على علاقته مع الآخر المنتمى إلى كيان موازي ثم على انتمائه و عمق إخلاصه للكيان الجامع كالديانة و الوطن، مثلاً .. هذا في حال وقعت المقارنة و وجب الاختيار بين الكيانين .. بذا يتضح أن ضرر (الطائفية)، و خطرها متعدي .. أي أنه يتجاوز الفرد إلى الآخر و الكل أيضاً .. (الطائفية) هي حالة من تضخم اعتبارات القائد، و المجموعة، على حساب اعتبارات الآخر، و الكيان الشامل الذي يجمعك معه، أي (الآخر) .. ف (الطائفية)، و الحالة هذه، لا تستقيم مع التزام الفرد للحياد و العدالة تجاه الآخر ولا الولاء المخلص للكيان الأكبر ، كالوطن مثلاً .. الأهم على الدام هو مصالح الطائفة و رأي زعيم الطائفة و أتباعها ..

ثالوث الإنتماء الطائفي : الزعامة الطائفية .. الكيان الاجتماعي .. الفكر:

و انتماء الفرد للطائفة المعينة هو علاقة ذات ثلاثة أبعاد : الأول مع الكيان الإجتماعي (الطائفي)، و الثاني مع رأس الطائفة سواء أكان شخص (زعيم)، أو مؤسسة .. و البعد الثالث هو الفكر المتبنى من قبل الطائفة.. و لك، هنا أن تلاحظ أن هذه ثلاثة العلاقات تؤثر على بعضها بصورة واضحة ..
فكلما كانت العلاقة مع الزعيم الطائفي قائمة على الحوار و تبادل الرأي و احساس الفرد بالكرامة و الإستقلالية و هو في حضرة رأس الكيان أو و هو في لحظة اختيار حاسم سياسي أو اجتماعي كانت صلة الفرد تجاه الفكر أكثر تحرراً و نقدية و بذا تتحقق علاقة إيجابية مع الفكر المحدد تسمح بالتطوير و التثوير.. و في نفس الوقت تكون علاقته بالمجموعة أقرب إلى التواشج الصحي و كان الفرد أكثر شعوراً بالأمان و هو يواجه محكه الفرداني في التفكير و التعبير مما يجعله لا يخاف غوائل المجموعة و بطشها و إقصاءها في حال خالف رأيه و اجتهاده ما كان عند الجماعة حقاً، و صواباً ... و العكس في كل ما سبق، بالعكس ... فالقائد الطائفي، الحريص على الإتّباع السالب، و الطاعة العمياء يخلق من حوله مجتمعاً باطشاً بالأفراد و أفراداً تابعين خاملين سالبين ..

أما علاقة الفرد بالمجموعة فتوثر بشكل حيوي و خطير على كلا البعدين الآخرين – العلاقة مع رأس الطائفة ومع الفكر .. و يمكننا أن نقرر بكل ثقة أن (الطائفية) في كل تجلياتها إنما هي صنيعة اجتماعية أعني أنها تتأثر بالسلوك الجماعي تجاه القائد أكثر من تأثرها بسلوك القائد تجاه الجماعة .. هذا مع الأخذ في الاعتبار لخطورة دور القائد من حيث الرفض، و الإقرار (التشجيع)، تصريحاً ، و تلميحاً (إيحاءاً ) ، لكافة أنماط اسلوك الطائفي .. و الحق أن للجماعة طرق كثيرة في صنع هالة من القداسة حول القائد باصطناع العقائد، المتصفة بالتقديس و التعظيم و (الأسطرة) و المشجعة للسلوك القائم على الاعتمادية و الانقياد ( الطاعة العمياء) .. كما أن للطائفة طرقها المختلفة، في تدجين الأفراد، و الحفاظ عليهم داخل السياج الطائفي عبر أساليب غسل الدماغ و التقريب، و الترقية في الكيان المحدد ترغيباً و العزل الاجتماعي و الإقصاء و اغتيال الشخصية ترهيباً ..
أما الفكر فكلما كان قائماً على الغموض و الغيبية فيما يخص مقولاته، و الألقاب و المقامات فيما يخص القائد، كان أدعى لترسيخ القداسة و انسياق الأفراد، تبعاً لذلك ، إلى حالة من تهيب التفكير النقدي و من ثم التسليم بما يقوله القائد و ما تعتقده الطائفة و الإنصياع وراء الآراء الجماعية حول أمر ما و القرارات حول الموقف المعين .. و هذا البعد بالذات-بعد العلاقة مع الفكر- هو ما يجعل الفكر الديني التصوف بشكل خاص أكثر قابلية لقيام (الطائفية) فيه من أي فكر آخر ..

التصوف و بذرة (الطائفية) :


لقد كان الأستاذ محمود محمد طه شديد الحرص على التمييز بين الطرق الصوفية و الكيانات (الطائفية) .. و لقد عبر بوضوح عن الخطر الماثل أمام كل مربي صوفي و هو أن يتحول إلى طائفي .. و لقد وصف المسألة، في بساطتها بأنها (( فركة كعب))، دلالة على يسر التحول و قرب مأتاه.. و الفرق الحاسم عنده بين الصوفي و الطائفي هو أن الأول لديه ما يقدمه للمريدين من الترشيد و الإصلاح و هو مع ذلك زاهد في دنيا الناس ..أما الطائفي فهو حريص على الدنيا و مفلس عن الترشيد .. و الحق أن التمييز بين القيادي الصوفي و الطائفي أمر في غاية الصعوبة إذ أن الشخصين كثيراً ما يجتمعا في شخص واحد .. و هنا أود أن أقول أن العلاقة بين الطريقة الصوفية و الطائفة السياسية هي إحدى تمظهرات مشكلة العلاقة بين الدين و السياسة أو كما يحب بعض أصدفائنا تسميته (الديني و السياسي)، .. أو بتعبير آخر (السياسة و القداسة )، و لإن كان سؤال ما إذا كان يمكن فصل الدين عن السياسة من أعقد الأسئلة فإن مهمة الفصل بين الصوفي و الطائفي، تبقى هي أيضاً معقدة جداً و شائكة .. ينسب إلى السيد الصدق المهدي شعار رفعه في الستينات فحواه ألا قداسة مع السياسة .. و هو شعار لا بد أنه قد نال إعجاب الكثيرين من المناهضين للطائفية، في طيف السياسة السودانية الواسع، ذلك الوقت و لكن يظل السؤال حول : كيف ؟؟ هو العقبة التي ترجع الشعار، ربما إلى خانة الطوباوية خصوصاً و أن (القداسة)، كانت حين رفع الشعار عند شخص آخر هو الإمام الهادي رحمه الله..
لقد ظل القضاء على (الطائفية) حلماً للسواد الأعظم من النخبة السودانية سواء أكانوا في داخل الكيانات (الطائفية) و خارجها ، من يمين الطيف إلى يساره، لكن ظلت الظاهرة باقية مع بعض التجميل و التحوير هنا و هناك.. و لعل هذا ما يجعلنا نعيد طرح السؤال بحثاً ، عن رؤية تعين على فعل إيجابي، و تغيير حقيقي، و أكيد.. ربما يعزي البعض الأمر إلى الأمية ، و انتشارها ، في هذا البلد ، و لكن لا بد لي أن أقول بأن الأمية ، وحدها ، لا تصلح تفسيراً كافيها ، للظاهرة ، ولا (لاستدامتها).. و لذا سأحاول أن أسهم ببعض النقاط التي ربما حملت شيئاً جديداً، مفيداً..

إن تناقض القداسة، و السياسة في المجتمعات التي يشكل الدين جزءاً مقدراً من حياتها و خصوصاً تلك التي تسود فيها القيم الصوفية لهو في تقديري المعضلة الأساسية أمام (عصرنة ) التصوف .. و ذلك لأن التصوف يقوم على مفهوم أساسي، هو مفهوم المقامات و التراتبية الروحية و الذي يتبعه أن رأي من هو أعلى منك مقاماً هو مظنة أن يكون أقرب للصواب من رأيك .. ثم أن هذه التراتبيه تأخذ معناها الأوكد و الأخطر حين تتجسد في شكل ألقاب محددة يكون لها أثرها النفسي الداعي لالتزام (الأدب) و الورع و الحائل دون النزعة النقدية و الإستقلالية التي يستلزمها السلوك الديمقراطي أو قل (الليبرالي).. و هنا نصل إلى تناقض (ديالكتيك)، يجب استحضاره بين (الحرية ) و (الأدب) و نحن نصف ظاهرة (الطائفية) .. و هذا ما سأبدأ به الحلقة القادمة من المقال..
نواصل ..

الطائفية و الهوس الديني .. من التجريم إلى التشخيص .(2)

الجريدة ...الأحد 3 اكتوبر 2010
الطائفية و الهوس الديني .. من التجريم إلى التشخيص .(2)

الطائفية في السودان خصوصية المصطلح و المفهوم:

لا يغيب عن بصر اللبيب أن كلمة الطائيفية لها مدلولاتها المتعددة التي سنحاول استعراضها، هنا بشكل وافي، كما أن لها صور مختلفة باختلاف الدول التي يدور عنها الحديث .. ففي لبنان، مثلاً تأخذ معنيي الإختلاف الديني (الملّي) بين المسلمين و المسيحيين، و كذلك الإختلاف المذهبي بين السنه و الشيعة ..الخ..أما في مصر فهي تأخذ المعنى الأول (الملي)، بصورة أساسية ، بينما في العراق ، تأخذ المعنى الثاني (المذهبي)، بصورة أساسية .. أما هنا في السودان فإن المصطلح يستخدم حصرياً للتعبير عن الإختلاف بين الطائفتين الكبيرتين من المسلمين (السنة؟؟) و هما الختمية و الأنصار ، و ثالثتهما (الهندية)، أحياناً.. و لم يؤثر استخدامها للتعبير عن الاختلاف الديني رغم أن السودان وصف دوماً بأنه بلد متعدد الأديان و الثقافات.. الخ..
و (الطائفية) بحسب ( ويكيبديا) و بعض القواميس هي نوع من الإنتماء و الإلتزام الجامد و المشتط تجاه مجموعة دينية تفترق عن مجموعة أكثر شمولية و قديمة النشأة ... هذا الإنتماء المشتط ، الجامد، في تقديري يؤثر سلباً على ثلاث علاقات أساسية هي : العلاقة القائمة بين الفرد و ذاته، أعني مقدرته على التصالح مع ذاته، و على الرؤية الناصعة، المستقلة، و الإختيار السليم كما تؤثر على علاقته مع الآخر المنتمى إلى كيان موازي ثم على انتمائه و عمق إخلاصه للكيان الجامع كالديانة و الوطن، مثلاً .. هذا في حال وقعت المقارنة و وجب الاختيار بين الكيانين .. بذا يتضح أن ضرر (الطائفية)، و خطرها متعدي .. أي أنه يتجاوز الفرد إلى الآخر و الكل أيضاً .. (الطائفية) هي حالة من تضخم اعتبارات القائد، و المجموعة، على حساب اعتبارات الآخر، و الكيان الشامل الذي يجمعك معه، أي (الآخر) .. ف (الطائفية)، و الحالة هذه، لا تستقيم مع التزام الفرد للحياد و العدالة تجاه الآخر ولا الولاء المخلص للكيان الأكبر ، كالوطن مثلاً .. الأهم على الدام هو مصالح الطائفة و رأي زعيم الطائفة و أتباعها ..

ثالوث الإنتماء الطائفي : الزعامة الطائفية .. الكيان الاجتماعي .. الفكر:

و انتماء الفرد للطائفة المعينة هو علاقة ذات ثلاثة أبعاد : الأول مع الكيان الإجتماعي (الطائفي)، و الثاني مع رأس الطائفة سواء أكان شخص (زعيم)، أو مؤسسة .. و البعد الثالث هو الفكر المتبنى من قبل الطائفة.. و لك، هنا أن تلاحظ أن هذه ثلاثة العلاقات تؤثر على بعضها بصورة واضحة ..
فكلما كانت العلاقة مع الزعيم الطائفي قائمة على الحوار و تبادل الرأي و احساس الفرد بالكرامة و الإستقلالية و هو في حضرة رأس الكيان أو و هو في لحظة اختيار حاسم سياسي أو اجتماعي كانت صلة الفرد تجاه الفكر أكثر تحرراً و نقدية و بذا تتحقق علاقة إيجابية مع الفكر المحدد تسمح بالتطوير و التثوير.. و في نفس الوقت تكون علاقته بالمجموعة أقرب إلى التواشج الصحي و كان الفرد أكثر شعوراً بالأمان و هو يواجه محكه الفرداني في التفكير و التعبير مما يجعله لا يخاف غوائل المجموعة و بطشها و إقصاءها في حال خالف رأيه و اجتهاده ما كان عند الجماعة حقاً، و صواباً ... و العكس في كل ما سبق، بالعكس ... فالقائد الطائفي، الحريص على الإتّباع السالب، و الطاعة العمياء يخلق من حوله مجتمعاً باطشاً بالأفراد و أفراداً تابعين خاملين سالبين ..

أما علاقة الفرد بالمجموعة فتوثر بشكل حيوي و خطير على كلا البعدين الآخرين – العلاقة مع رأس الطائفة ومع الفكر .. و يمكننا أن نقرر بكل ثقة أن (الطائفية) في كل تجلياتها إنما هي صنيعة اجتماعية أعني أنها تتأثر بالسلوك الجماعي تجاه القائد أكثر من تأثرها بسلوك القائد تجاه الجماعة .. هذا مع الأخذ في الاعتبار لخطورة دور القائد من حيث الرفض، و الإقرار (التشجيع)، تصريحاً ، و تلميحاً (إيحاءاً ) ، لكافة أنماط اسلوك الطائفي .. و الحق أن للجماعة طرق كثيرة في صنع هالة من القداسة حول القائد باصطناع العقائد، المتصفة بالتقديس و التعظيم و (الأسطرة) و المشجعة للسلوك القائم على الاعتمادية و الانقياد ( الطاعة العمياء) .. كما أن للطائفة طرقها المختلفة، في تدجين الأفراد، و الحفاظ عليهم داخل السياج الطائفي عبر أساليب غسل الدماغ و التقريب، و الترقية في الكيان المحدد ترغيباً و العزل الاجتماعي و الإقصاء و اغتيال الشخصية ترهيباً ..
أما الفكر فكلما كان قائماً على الغموض و الغيبية فيما يخص مقولاته، و الألقاب و المقامات فيما يخص القائد، كان أدعى لترسيخ القداسة و انسياق الأفراد، تبعاً لذلك ، إلى حالة من تهيب التفكير النقدي و من ثم التسليم بما يقوله القائد و ما تعتقده الطائفة و الإنصياع وراء الآراء الجماعية حول أمر ما و القرارات حول الموقف المعين .. و هذا البعد بالذات-بعد العلاقة مع الفكر- هو ما يجعل الفكر الديني التصوف بشكل خاص أكثر قابلية لقيام (الطائفية) فيه من أي فكر آخر ..

التصوف و بذرة (الطائفية) :


لقد كان الأستاذ محمود محمد طه شديد الحرص على التمييز بين الطرق الصوفية و الكيانات (الطائفية) .. و لقد عبر بوضوح عن الخطر الماثل أمام كل مربي صوفي و هو أن يتحول إلى طائفي .. و لقد وصف المسألة، في بساطتها بأنها (( فركة كعب))، دلالة على يسر التحول و قرب مأتاه.. و الفرق الحاسم عنده بين الصوفي و الطائفي هو أن الأول لديه ما يقدمه للمريدين من الترشيد و الإصلاح و هو مع ذلك زاهد في دنيا الناس ..أما الطائفي فهو حريص على الدنيا و مفلس عن الترشيد .. و الحق أن التمييز بين القيادي الصوفي و الطائفي أمر في غاية الصعوبة إذ أن الشخصين كثيراً ما يجتمعا في شخص واحد .. و هنا أود أن أقول أن العلاقة بين الطريقة الصوفية و الطائفة السياسية هي إحدى تمظهرات مشكلة العلاقة بين الدين و السياسة أو كما يحب بعض أصدفائنا تسميته (الديني و السياسي)، .. أو بتعبير آخر (السياسة و القداسة )، و لإن كان سؤال ما إذا كان يمكن فصل الدين عن السياسة من أعقد الأسئلة فإن مهمة الفصل بين الصوفي و الطائفي، تبقى هي أيضاً معقدة جداً و شائكة .. ينسب إلى السيد الصدق المهدي شعار رفعه في الستينات فحواه ألا قداسة مع السياسة .. و هو شعار لا بد أنه قد نال إعجاب الكثيرين من المناهضين للطائفية، في طيف السياسة السودانية الواسع، ذلك الوقت و لكن يظل السؤال حول : كيف ؟؟ هو العقبة التي ترجع الشعار، ربما إلى خانة الطوباوية خصوصاً و أن (القداسة)، كانت حين رفع الشعار عند شخص آخر هو الإمام الهادي رحمه الله..
لقد ظل القضاء على (الطائفية) حلماً للسواد الأعظم من النخبة السودانية سواء أكانوا في داخل الكيانات (الطائفية) و خارجها ، من يمين الطيف إلى يساره، لكن ظلت الظاهرة باقية مع بعض التجميل و التحوير هنا و هناك.. و لعل هذا ما يجعلنا نعيد طرح السؤال بحثاً ، عن رؤية تعين على فعل إيجابي، و تغيير حقيقي، و أكيد.. ربما يعزي البعض الأمر إلى الأمية ، و انتشارها ، في هذا البلد ، و لكن لا بد لي أن أقول بأن الأمية ، وحدها ، لا تصلح تفسيراً كافيها ، للظاهرة ، ولا (لاستدامتها).. و لذا سأحاول أن أسهم ببعض النقاط التي ربما حملت شيئاً جديداً، مفيداً..

إن تناقض القداسة، و السياسة في المجتمعات التي يشكل الدين جزءاً مقدراً من حياتها و خصوصاً تلك التي تسود فيها القيم الصوفية لهو في تقديري المعضلة الأساسية أمام (عصرنة ) التصوف .. و ذلك لأن التصوف يقوم على مفهوم أساسي، هو مفهوم المقامات و التراتبية الروحية و الذي يتبعه أن رأي من هو أعلى منك مقاماً هو مظنة أن يكون أقرب للصواب من رأيك .. ثم أن هذه التراتبيه تأخذ معناها الأوكد و الأخطر حين تتجسد في شكل ألقاب محددة يكون لها أثرها النفسي الداعي لالتزام (الأدب) و الورع و الحائل دون النزعة النقدية و الإستقلالية التي يستلزمها السلوك الديمقراطي أو قل (الليبرالي).. و هنا نصل إلى تناقض (ديالكتيك)، يجب استحضاره بين (الحرية ) و (الأدب) و نحن نصف ظاهرة (الطائفية) .. و هذا ما سأبدأ به الحلقة القادمة من المقال..
نواصل ..

الطائفية، و الهوس الديني .... من التجريم إلى التشخيص (1)

هذا المقال تم نشره في صحيفة الحريدة ، يوم الثلاثاء 29 سبتمبر ,.. أعيد نشره هنا لمزيد من الاطلاع ، و الحوار..

الطائفية، و الهوس الديني .... من التجريم إلى التشخيص (1)..

في هذه السلسلة من المقالات، أود أن أدخل مدخلاً مختلفاً، على موضوعين شديدي الحساسية، و الخطورة، لطالما تم تناولهما، في أدبياتنا السياسية، و هما، الطائفية، و الهوس الديني، و ما يدفعني للكتابة، حولهما هوإدراكي لكونهما يشكلان عقبتين أساسيتين في طريق التطور، و الاستنارة، في هذا البلد، باعتبار تعارضهما مع حركة الفكر الحر ، يضاف إلى هذا شعور بأن تلك المداخل التي تم تبنيها تجاه هذين الموضوعين، كانت أقرب إلى التجريم منها إلي التفهم، و النقد الصبور، لأجل ذا فإن هذا النمط من التناول، زاد الأمر حساية، و أدى إلى حالة من التجريم، من طرف، و الإنكار، و التجريم العكسي، من طرف آخر .. و لأنه ما من متأمل محايد يمكن أن ينكر وجود هاتين العلتين في واقعنا، و لا عاقل يستطيع إنكار الأثر السالب لهما على حياتنا، و تطورنا، و خروجنا من نفقنا المظلم، فأنا أود أن أدخل من باب مختلف، سأتحرى فيه الإبتعاد عن التجريم، ما استطعت ، قاصداً بذلك خلق لغة مشتركة (إنسانية)، يمكن بها التعبير عن المشكلة، تفادياً لعوائق التواصل التي تحيل الحوار إلى ( شجار)، أو قل إلى (حوار طرشان)..و سأقوم في هذا الإتجاه، بوصف الظاهرة على نحو أقرب إلى وصف المرض عند أصدقائنا الأطباء، مع قليل من التحليل للعلل القائمة، وراء هاتين الظاهرتين ..


الطائفية ، ظاهرة.. أم وصمة..


و الحق أننا كثيراً ما نتحدث عن الطائفية، و لكن هذا يتم ، عادة، في سياق من السباب السياسي، أكثر من كونه تناولاً ينبني على نهج وصفي، أو تحليل (نفسي، سياسي) .. و هذا ما أدى، إلى قيام موقفين أحدهما ناعت، لكيانات بعينها، بوصفها كيانات طائفية، و منتقص من قيمتها الفكرية، و السياسية، على هذا الأساس، و الآخر هو أن هذه الكيانات، قد أخذتها العزة، فعميت عن حقيقة ،وجود تلك الظاهرة (الطائفية)، في داخلها، و هذا ما أعاق كثير من إمكانيات تطور هذه الكيانات، نحو آفاق الديمقراطية ،و المؤسسية ..
و الحق أنني بدأت كغيري، من موقف تصنيفي، سكوني، للكيانات المختلفة، فهذا تنظيم طائفي، و ذاك غير طائفي .. و لكن مع التأمل، و استحضار القليل من الحياد، اكتشفت قصور هذا المنظور، و لا جدواه .. فأنت في حقيقة الأمر لا تقدم للآخر، أدنى فائدة، و لا للظاهرة علاجاً، إن ظللت تنعته-الآخر أعني- طول الوقت بالطائفي، هذا طبعاً إن كنت تحرص على تقديم ما يفيد للآخر، و للعلاقة المشتركة بينكما، خصومة كانت أم حواراً ..
الأمر الآخر الذي استجد عندي هو أنه، قد بدأت تتكشف لي ملامح (الطائفية)، في كيانات كانت عندي منزهة عنها، و هي إلى ذلك، كيانات كرست الكثير من وقتها للتنفير من الطائفية، و محاربتها .. هذا ما جعلني أدرك بأن الطائفية هي في حقيقة الأمر ظاهرة، واردة الحدوث في أي كيان ديني، يقوم على نوع من التراتبية الفكرية، أو الروحية، و أن مدى بعد هذا الكيان، أو ذاك عنها، ليس بمقدار ما يبرزه نحوها من عداء لفظي، و تنفير دعوي، بل بمقدار المجهود الداخلي الجاد من قبل كلا القادة، و المقودين، و اليقظة المستمرة في رصد الظاهرة، ومحاربتها، في أطوارها الجنينية .. هذا هو المحك الذي برز لي من معايشة مجتمعي الصغير، ألا و هو مجتمع (الأخوان الجمهوريين)، و لمراقبتي القريبة نسبياً لكيانات أخرى .. و لعله معلوم لدى الجميع مدى النشاط الواسع الذي قام به الجمهرييون في إطار محاربة الطائفية السياسية .. إن ما تأكد لي بدون أدنى شك أن هذا المجتمع ، كما غيره من المجتمعات، ليس محصناً ، من هذه الطتئفية التي يعاديها ، بل إنه مع الزمن بدأت تدب فيه الكثير من ملامحها.. و هنا اسمحوا لي أن أقتبس من مقال كتبته سابقاً في إطار الحوار الداخلي بيني، و بين أفاضل من الأخوان الجمهوريين، هدفت فيه للتنويه لبروز بعض المظاهر الطائفية في داخل مجتمعنا الجمهوري ، و للحوار حول إمكانية إيجاد تعريف يجعل المشكلة أكثر وضحاً ، و تلافيها ، أقرب إمكاناً.. كان ذلك المقال تحت عنوان (العقائدية و توأمها الطائفية .. بعض كلمات للذكرى ....
قلت في إحدى فقرات ذلك المقال :
(الراصد لمسار الفكر الجمهوري، يلاحظ شيئاً لافتاً، هو أن الأستاذ محمود كان يقاوم أمرين، و يحذر منهما ... الأوّل هو أن تصبح الفكرة الجمهورية عقيدة جامدة، و الثاني أن يصير المجتمع الجمهوري مجتمعاً طائفياً .. و الحق أن العقائدية (الدوغمائية)، و الطائفية هما أختان و ربما كانتا وجهين لعملة و احدة .. فكلاهما اعتماد على صورة محدودة- نسبية و مرحلية -من صور التعبير عن الفكر المعيّن، و اكتفاء بها .. ففي الطائفية تأخذ هذه الصورة بعد تجسيد بشري (شخص ما)، و الاستغناء به عن تطوير العلاقة مع المطلق من جهة، و مع التجليات الأخرى للمطلق من ناحية ثانية، و مع الذات الفردية، بطاقاتها الإيجابية، من ناحية ثالثة .. و في العقائدية يتم الاعتماد على مرحلة من مراحل التخلّق لفكرة ما أو ديانة ما، و الاكتفاء بها عن السير قدماً في مسار التطوير، و التخليق لهذه
الفكرة أو الديانة، هذا من ناحية، و عن الحوار، و التفاعل الفكري الخصب، مع الآخر من ناحية أخرى...)..
و في فقرة أخرى :

( أما في حالة الطائفية، فما يحدث هو، التمركز حول رمز ما، و الطواف حول كعبته بالغدوّ، الآصال، بصورة تخرج هذا الرمز من مقامه النسبي، في تراتبية الفكر المحدد، و تحله في مقام الرمز المطلق، حاجبة عن الفرد الطائف رؤية الرموز الأعلى، و المقامات الأسمى .. بذا يتحوّل الرمز الطائفي من صفة الوسيلة إلى صفة الوثن، الذي يحجب الرؤية، و يقطع طريق الرب .. فالطائفية كما قال الأستاذ محمود، مفسدة للقائد (الرمز )، و المقود في نفس الوقت و السياق .. فالقائد الطائفي، يجد نفسه أمام أفراد خاملين، سالبين، يعتمدون عليه كل الاعتماد، في متقلبهم، و مثواهم، و لا يضيفون له، شيئاً، فيتولّد، في داخله، و إن أبدى المحبة، والتقدير، شعور، خفي بالاحتقار، و عدم المكافأة، يجعله لا يعوّل عليهم، في أمر ذي بال، بل يستخدمهم لأغراض الحياة الدنيا، أو ما يرى فيه الرشاد، و يلتهم ما تنازلوا عنه طوعاً من حرياتهم، لينمو و يتضخم، في أذهانهم، و في ذهنه، دون أن ينتظر منهم، أن يعينوه، على نفسه إذا أخطأ، أو يشدوا من أذره إذا أصاب .. هم كظله، لا قيمة لهم في ذهنه إلا منسوبين له، فهو و قد غاب عنه محك مخالطة العقول الحرّة المطالبة بالإقناع، و الحجة، و التفاعل مع النفوس الحية المتمردة، يصير إلى حال من ركود الفكر، و طغيان النفس، فلا يلبث أن يعلنها في ملأ القوم، بلسان الحال، أو المقال، أو كليهما : (أنا ربكم الأعلى )، و (لا أريكم إلا ما أرى).. فيخسر بذا ربه، و نفسه ... آخرته، ودنياه..
أما المقود، و قد وجد من يحمل عنه، عناء النهوض بأعباء الفردية، و يحمل عنه أثقال الاختيار، و الحرية، فتراه، خاملاً، سالباً، يقنع من العزائم، بأن قد أخذ بها الكبار، و من الكمال بأنه، يراه مجسدا، في سيّده و رمزه.. فينمو كنبات الظل لا يقوى على هجير شمس الحرية، و لا يقوم إلا متكئاً، فينقصم ظهره عند أوّل امتحان .. و لأنه لا يقوي على أن يقوم، إلا في الظل الظليل، فإنه يتجنب بكل طريقة، أن يفارق ظله، و يسعى ليبعد عنه، ساعة الفطام، فيظل يقدم القرابين، و يتزلّف بالولاء الذي، ما به من رأي، و الطاعة التي ليس معها من فكر، أو رؤية، ناهيك عن اعتراض .. فيظل يتنازل عن حريته، من أجل أمنه، و كرامته، من أجل سكينته، و هو في كل ذلك يقنع نفسه التي غطى عليها الخوف و الوهم، أن حريته محفوظه، و أن كرامته وديعة مصانه، تردّ عليه متى شاء، بل تصوّرمن جهل أنها في يده رهن الطلب، و الإحتياج ..)..
نواصل ..

ألف وجه للشريعة

من صحيفة الجريدة فبراير 2011

ألف وجه للشريعة...

هناك تمثيلية تلفزيونية (مصرية) قدمها تلفزيون السودان، قبل حوالي عشر سنين، هي، بالنسبة لي مثال جيد لدراما عميقة و حافزة على التفكير.. كان اسمها ( ألف وجه للحقيقة ).. فكرة هذه التمثيلية، المميزة بحق، تقوم على أحداث بطلها شاب توفي والده، و هو بعد صغير، فرباه عمه، الثري .. و لاسباب محددة، اضطر للجوء لطبيب نفسي، و قام ضمن التأريخ المرضي برواية قصة معاناته مع زوجته التي زوجه إياها عمه، بدون أن تكون له بها سابق معرفة.. و لأن الصورة لم تكتمل في ذهن الطبيب، فقد اضطر للاستماع للقصة من الأطراف الاخرى، المرتبطة بالشاب، و القصة، و هم العم، و زوجة العم، و الزوجة.. بطبيعة الحال.. و لقد كانت دهشة الطبيب أنه وجد نفسه أمام أربع روايات مختلفة، للقصة التي يفترض أنها (واحدة).. كان كل شخص يروي القصة بعاطفة مختلفة، مصحوبة بحقائق مختلفة، أيضاً.. بل متناقضة... و لقد كانت براعة التأليف، و الاخراج معاً، تتجلى في أن المشاهد يجد نفسه في حيرة حقيقية، عن ما هي القصة الحقيقية.. هذه التمثيلية، ظلت بالنسبة لي تجسيد ملهم لأن كيف يصنع العقل الإنساني ( حقائقه) التي يسوّل له غروره، بأنها هي (الحقيقة ).. ظلت التمثيلية عالقة بذهني طيلة هذه السنين، و لكن حدثاً ما هو الذي جعلني أعيد تأملها، ألا و هو خطاب رئيس الجمهورية، الشهير، في قضارف الخير، ذاك الذي أعلن فيه عن التطبيق الكامل للشريعة في حال انفصل الجنوب.. الخطاب الذي أثار ردود افعال شتى.. منها المؤيد، و منها الناغم.. و ما جعلني أتذكر تلك الدراما، هو أنه فجأة تداعت لذهني(وجوه) مختلفة لشيء مفترض أنه (واحد )، ألا، و هو الشريعة الإسلامية.. فإذا بظاهرة الألف وجه تبدو متطابقة، تقريباً... فأولاً لدينا الشريعة التي أعلن الرئيس أنه سيشرع في في تطبقيها، في حال الإنفصال، ثانياً، تلك الشريعة الإسلامية التي يزعم حزب المؤتمر الوطني طيلة عقدين من الزمان أنها مطبقة فعلاً، و التي لا يملون، و إن مللنا، ترداد عدم استعدادهم للتنازل عنها، و كونها – أي الشريعة – هي السبب الحقيقي للاستهداف الأمريكي- الغربي للسلطة القائمة.. و تذكرت أيضاً الشريعة التي يدعو لها الإخوة السلفيين، و التي ينعون على الإنقاذيين عدم تطبيقها، ثم تلك الشريعة التي لابد أنها مستقرة في أذهان التكفيريين، و الذين يعتقدون بأن السلفيين-من الفرق الأخرى - مقصرين في اقتفائها... و القائمة تطول فتلك شريعة طالبان، و هاتيك شريعة إيران.. و ذاك هو الدكتور الترابي، بنسخه المتقلبة للشريعة، منذ أن عرفه الناس، و إلى يومنا هذا... تلك النسخ التي تتلون، بحربائية مدهشة، مواطئة لمتطلبات الراهن السياسي.. و ذاك هو السيد الصادق المهدي، ونسخته من الشريعة (ذات القطعيات )، التي يعرف، كيف يخاطب بها ( المثقفين) ذوي الأشواق اللبرالية، الذين تطربهم مقولات حقوق الإنسان، و الديمقراطية، و احترام الآخر، كما يبشر بها في مقام آخر أهلنا الطيبين من الأنصار، أولئك الذين تهزهم عظيم الأشواق لانتصارات (مهدوية )، على الكافرين، من أهل الصليب، و المنكرين لمهدية مهدي الله، من المسلمين.. كل أولئك يراهن على كونه داعي للشريعة، و للحكم بما أنزل الله الذي لا يعارضه إلا الظالمين، الفاسقين، الكافرين.. و من جانب آخر فالكثيرون من المسلمين يعتدون بتطبيق المملكة العربية السعودية للشريعة الإسلامية، و في المقابل فكم من قائل بأن هذه النسخة من الشريعة هي زريعة لتكميم أفواه المعارضين السياسيين، و لتكريس حكم الأسرة الواحدة – آل سعود - وهي الأسرة المعصوم أمراؤها من طائلة الشريعة و حدودها... و لعل الجميع يعلم أن تطبيق للشريعة، في المملكةالسعودية ، يهتدي بالمدرسة الوهابية دليلاً.. ورغم أن الوهابية يصمون آذان الخلق كل حين بنداءاتهم عن فقه الولاء، و البراء، ذاك الذي لا يكتمل الإيمان إلا به.. رغم ذلك، فالسعودية هي أكبر حليف لأمريكا، و الغرب، في الشرق الأوسط المسلم، بل تدل الكثير من التسريبات على أن السعودية تتبوأ موقعاً متقدماً، وسط الدول العربية، فيما يخص التطبيع مع دولة إسرائيل.. و السعودية فضلاً عن ذلك تقدم نموذجاً في الدولة، هو أبعد ما يكون عن سنة النبي ( ص)، و الخلفاء الراشدين المهديين من بعده، هاتين السنتين التين تمثلان حجر الزاوية للفكر الوهابي.. فالإسلام في عهد النبي (ص)، و خلفائه الراشدين قد قدم تجربة مبرأة تماماً من نموذج الملك العضود، الذي يتوارثه آل سعود أباً عن جد.. و الغريب في الأمر هو أن الوهابية لا يعتبرون الملكية بدعة، أو خروجاً عن تعاليم الإسلام، و هم الذين تضيق صدورهم بأمور، أقل من ذلك ضرراً، كمثل تقصير الذقون، و تطويل الإزار، و غيرها من المظاهر، التي لا يضار حال المسلمين بها و لا ينصلح بعدمها من قريب أو بعيد.. فلكأنا، و الحالة هذه، أمام شريعتين عند الوهابية، أولاهما للمسلمين، و الأخرى ملك حصري، مأذون به، فقط،، لآل سعود.. فهذا وجه للشريعة، و ذاك آخر..
و لعل المرء إن ذهب في إحصاء النماذج المقدمة كأفكار تهتدي بالشريعة، يوشك أن يطاول الألف وجه التي وردت في تلك التمثيلية.. فإذا بالأمر أن هناك ( ألف وجه للشريعة ).. تلك الوجوه التي تطل من الجسد المغيب تحت سطح الافكار البشرية، و الدعاوي السياسية التي تزعم لنفسها امتلاك الشريعة و احتكار الحقيقة.. و لعل هذا التعدد الألفي لوجوه تزعم كلها تمثيل الشريعة يجعل البعض يتساءل عن هل هناك ثمة وجود لهذا الجسد المخبأ، أم أنه ليس هناك سوى هذه الوجوه التي يتزاحم أصحابها صراعاً على ثروات البلدان، و الكراسي ذات البريق، شاهرين على بعضهم كل سيف، في محاولة يائسة، و متعنتة لتصفية الوجوه الأخرى، لذاك الجسد المخبأ، لتكون المحصلة وجه واحد لجسد واحد ؟؟؟....

وجوه الشريعة و سباق القداسة..

و لقد يخيل للمرء عندما يستمع للمناظرات، و الجدل بين الجماعات الاسلامية ، حول الشريعة ، أن الأمر ليس سوى صراع حول المنهجية الدينية، بحثاً عن الحق الذي به النجاة يوم القيامة.. و لكن ما لا يغيب عن بصر الناقد الواعي أن صراع الأسلامويين حول (من هو الأصح تطبيقاً للشريعة،و الأحق بها )، هو في الحقيقة صراع سياسي بغيته هي انتزاع نوع من الحصانة السياسية ، أو قل (القداسة) للجماعة الأسلامية ، تلك القداسة التي تبدأ بتقديس الشريعة، و رفعها فوق النقد، و التقييم، باعتبارها محض الحق الموحى به من الله تعالى إلى نبيه، و أنها الكلمة الأخيرة في دين الله التي لا يطالها دثور، و لا يعتريها تجدد ... مروراً بتقديس ذلك الوجه الايديولوجي المحدد، من الشريعة، الذي تقدمه الجماعة، أو الحزب، باعتباره الوجه الوحيد لذاك الجسد، بل إنه هو عين الشريعة ، فلا جسد، و لا وجه... و النهاية المنطقية هي القداسة، و الحصانة لأصحاب هذا الوجه، و دعاته الذين يزعمون لأفكارهم مطابقةً للحق، و احتكاراً له، بحيث يمكن لأحدهم أن يجلس فوق أريكته ، أو يعتلي منبره ، ليحدث الناس في دين الله، أو في شأن الدنيا و هو في حال من الطمأنينة التامة أنه لا يقول إلا ما قال الله و رسوله، و بالتالي فما وراء الحق الذي يصدر عنه إلا الباطل، و النطق عن الهوى.. و هذا ما يمكنك أن تسمعه حرفياً ، من بعض الجماعات السلفية، كما يعبر عنه الآخرين بلسان الحال، سلوكاً نافياً ، و مقصياً للآخر .. و بعيداً عن الغبار الذي يتعمد دعاة الشريعة الإسلامية إثارته، إخفاءاً لملامح الصراع (البشري)، السياسي، فإن واقع الأمر أن سباق القداسة ليس سوى ضرب من ضروب التسابق على الحاكمية المطلقة، و التي تتولد منها كافة أنماط الحكم الشمولي، و السلوك الفاشي.. سباق القداسة هو أسوأ أنماط استغلال الدين لانتاج (شمولية)، لا تمتلك ما يفضلها عن سائر الشموليات الأخرى، بل إنها لتفوق كل الشموليات سوءاً ، ذلك لما فيها التحاف لقداسة الدين لتحقيق مطامع الدنيا من السلطة ، و المال ، فضلاً عن الجمع بين شكلين من أشكال الارهاب  الإرهاب السلطوي، و الإرهاب الديني ..