السبت، 4 فبراير 2012

الإسلاميون… شمولية السلطة ، و المعارضة.. حز ب الله نموذجاً .. 2-2

الإسلاميون… شمولية السلطة ، و المعارضة.. حز ب الله نموذجاً .. 2-2

د. أحمد لأبوابي

الإسلاميون، و صناعة التابوهات :

لقد ذكرنا في الجزء الأول، من هذا المقال كيف ان الجماعات الإسلاموية تعاني من حالة من الشمولية تسم سلوكها السياسي ، عند وصولها السلطة ، ولكنها تتبدى بوضوح كافي للناظر الحصيف، حتى وهم يتبوأون مقاعد المعارضة.. و الأمثةعلى هذا القول وافية، و ميسورة ، و لكن الظاهرة التي يمثلها حزب الله ، اللبناني هي في تقديري أكبر تجسيد لشمولية الجماعات الإسلامية في خانة المعارضة .. هذا الحزب الذي كما قلنا ((استغل ((قميص المقاومة))، أسوأ استغلال ليحقق ديكتاتورية كالحة في وجه الشعب اللبناني، فأصبح دولة ،لا تبالي بالدولة، )) ، يمثل نوذجاً لأن كيف يمكن لحزب معارض أن يعبث بهيبة الحكم،و سيادة الدولة، بصورة تمنعه ، إن كان يمتلك الصدق والاتساق أن ينضوي دخل النظام المدني الذي تقود هذه الدولة دفته ناهيك عن التواجد كحزب يحترم القانون، ويلتزم بالدستور ،ويرعىحرمةالآخر .. و لكن رغم فداحة العبث الذي يمارسه حزب الله بالمجتمع اللبناني ، وسيادة الدولة إلا أنك لن تلحظ أي نوع من الحرج يعاني منه قادته ، وأفراده تجاه كل هذا بل تجد ، على العكس اقصى درجات العزة بالإثم ، و الذراية بالآخر ، و الاتهام له في الولاء للبلاد، و لدين الله، و لشعب فلسطين .. و في الحقيقة فإن أمر الزراية بالآخر ، و عدم احترامه هو سمة مميزة للجماعات الإسلامية ، و الذين يشيدون في أذهانهم نظاماً فكرياً يسعى لتكريس قداسة الذات ، ودونية الآخر.. ففضلاً عن إدعاءات التميز العقيدي ، القاضي بصلاح فكر، و عقيدة هذه الجماعات ، و فساد عقيدة الآخر ، و ضلاله ، يجتهد الإسلاميون على ابتكار (( تابوهات)) ذات صلة بالمقدس الديني يسعون، بها لتكريس وهم ارتباطهم هم من دون العالمين بها ( أي التابوهات) ، بحيث يتم تصوير أمر انتقادهم ، ومعارضتهم من قبل الآخرين كنقد و مساس لا يغتفر بهذه التابوهات..

حزب الله، و تابو المقاومة ..


التابو هو اعتبار موضوع ما - حيوان مثلاً ، أو فعل ، أو قول – محرماً، من التناول بحكم ثقافة معينة .. و الحق أن الجماعات الإسلاموية تعاني في الأساس من قطيعة مع الفكر بشكل عام .. ذلك بأن معظمها تنطلق من خلفية سلفية تقوم على أولوية النقل على العقل ..بل انها تكرس إتجاها للتزهيد في الرأي . هذا ما جعل طابع الفكر الإساموي ، بشكل عام ، شديد الحساسية ، و العداء مع شعارات (حرية لفكر) ، و حقوق الإنسان .. ولكن إذا كانت هذه هي الخلفية الفكرية ( لعقلية التابوهات) ، فإن الإنتهازية السياسية ، و ذهنية (الغاية تبرر الوسيلة ) هي ما يكمن وراء ما أسميه ((صناعة التابوهات)).. و لعل حزب الله قد برع في صناعة التابو الخاص به ، ألا و هو ( المقاومة) . . والبراعة تكمن ليس فقط في أنه جعل من المقاومة فعلاً نضالياً مطلقاً ، لا يأتيه الباطل من بين يديه ، ولا من خلفه ، بل أيضاً ، في الربط الكامل بين الحزب ، و المقاومة بحيث صارت هي هو ، وهو إياها .. و هذا ما لم يجعل المقاومة فقط (تابو ) ، بل صا ر الحزب أيضاً.. فأنت حين تسمع التصريحات الداوية للسيد حسن نصر الله من شاكلة : (( اليد التي تمتد إلي المقاومة ستقطع )) ، تصيبك حالة من الذهول عن ان من يتكلم رئيس حزب ، و أنه ليس لهذا الحزب ، كما غيره من حصانة ، في ظل القانون ، و أن سلوكه السياسي، والإجتماعي جميعه ، هو مادة للمساءلة القانونية ، التي يمكن أن تثبت براءة المعنيين بالإتهام أو إذنابهم .. و لكن البراعة في صناعة (( تابو المقاومة ، و الحزب معاً )) ، هي التي تجعلك ، وإياي نحس بالحرج حال قيامنا بانتقاد لحزب الله ، كما تجعلنا نتعاطف معه حال أن تمت اي صورة من صور التعرض له من قبل الدولة اللبنانية ، أو القوى السياسية المناوئة..
و لعل امرالتابو الخاص بحزب الله يتجلى في تهيب الإعلام العربي تقديم قراءة نقدية صادقة لتلك الحرب الماحقة التي أقحم حزب الله فيها كل الشعب البناني، حسياً ، و وجدانياً ، و دفع ثمنها المدنيون ، و الأطفال الذين قضى منهم بحسب أكثر الإحصاءات تفاؤلاً ما يزيد عن الألف نفس من المدنين في حين ان المدنيين الاسرائيليين لم يقتل منهم سوى 43 إسرايلي.. هذا و تظل إحصائيات القتلي العسكرين من الطرفين عرضةللكثير من التطفيف... هذا فضلاًعن الدمار الواسع الذي لحق بالبنية التحتية اللبنانية.. و رغم أن حزب الله هو في الاعتبار القانوني حزب كغيره من الأحزاب يجب أن يترك أمر اتخاذ قرارات الحرب والسلام لوزارة الدفاع ، و رأس الدولة ، إلا أنه يقوم بفعلته التي وصفها هو نفسه (بالمغامرة) ، ليدخل البلاد في تلك الطامة الكبرى .. تلك الحرب التي اتفق الجميع على انه لم يكن فيها من منتصر حقيقي ، رغم دعاوي النصر الواهم الذي يرددها أنصار حزب الله ، و التي يستحي الكثيرون ، و يخاف أكثر منهم من التشكيك فيها فضلاً عن نفيها .. تلك لحرب التي جاء عنها حسب البي بي سي : (( حرب يوليو/ تموز 2006، والتي يمكن وصفها بالزلزال اللبناني لهذا العام، انتهت دون ان يحقق اي من الطرفين اهدافه المعلنة. فاسرائيل التي قالت في الايام الاولى للحرب انها ستقضي على حزب الله لم تتمكن من ذلك اذ قاتلها الحزب بالوتيرة نفسها منذ الدقيقة الاولى حتى الدقيقة الاخيرة.

اما حزب الله، وبالاضافة الى فشله حتى الآن بتحقيق هدف عملية "الوعد الصادق" حيث خطف جنديين اسرائيليين لمبادلتهما بثلاثة اسرى لبنانيين في السجون الاسرائيلية، فقد قبل بالقرار الدولي رقم 1701 الذي وضع حدا للعمليات العسكرية من جهة، الا انه من جهة ثانية وضع الحزب تحت "الاقامة الجبرية" باستقدام 15 الف جندي اجنبي الى جنوب لبنان يسهرون على ان يكون قسم كبير من الجنوب منطقة خالية من كل سلاح ظاهر ما عدا القوات الدولية والجيش اللبناني، ما يحد حكما حركة عناصر واسلحة الحزب على طول الحدود مع اسرائيل وبالتالي، يكون الحزب قد فقد قدرته على المناورة في هذه المنطقة. )) ..
و لإن كان حزب الله قد أدخل كل لبنان في تلك المهلكة ، و ألجم الأصوات مستعيناً ب (تابو) المقاومة ، فهذا فعل مشابه لكل ما يفعله الإسلاميون في العالم .. فذاك ((تابو الجهاد)) ، و هذا (( تابو هيبة الثوليت الدينية ) ، و هنا في السودان شهدنا ذلك التابو الذي تحت سلطته تم اختطاف البلاد ، و الإسلام ، لعقدين من الزمان ذلك هو (تابو الشريعة الاسلامية ))، (( والإسلام )) ، الذي يصورالحكام في السودان أي أعتداء عليهم، أو استهداف لهم بأنه اعتداء عليها (أي الشربعة، و الاسلام) ، على النحو الذي جعل الكثيرين منذ عقود يتهيبون المساس بهذا الكيان ، و يتفادون الاحتكاك ، و الصراع معه خوفاًمن أن يبوءون بلعنة ، أو وصم بالكفر، أو ما شاكله من النعوت كالإلحاد ، و الشيوعية، وغيرها .. و إذا كان الشعب اللبناني قد دفع ثمناً فادحاً من وراء تابو المقاومة ، فإن تابو الشريعة الإسلامية يوشك أن يجعل السودان يدفع الثمن الأكثر فداحة ، ألا وهو عين وجوده كوطن واحد ذي سيادة *..




* كتب هذا المقال ، قبل ظهور نتيجة الإسافتاء على مصير جنوب السودان ...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق